فصل: تأخير الأداء عن وقت الوجوب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


أداء

التّعريف

1 - الأداء‏:‏ الإيصال يقال‏:‏ أدّى الشّيء أوصله، وأدّى دينه تأديةً أي قضاه‏.‏ والاسم‏:‏ الأداء‏.‏ كذلك الأداء والقضاء يطلقان في اللّغة على الإتيان بالمؤقّتات، كأداء صلاة الفريضة وقضائها، وبغير المؤقّتات، كأداء الزّكاة والأمانة، وقضاء الحقوق ونحو ذلك‏.‏ وفي اصطلاح الجمهور من الأصوليّين والفقهاء‏:‏ الأداء فعل بعض ‏(‏وقيل كلّ‏)‏ ما دخل وقته قبل خروجه واجباً كان أو مندوباً، أمّا ما لم يقدّر له زمان في الشّرع، كالنّفل والنّذر المطلق والزّكاة، فلا يسمّى فعله أداءً ولا قضاءً‏.‏ وعند الحنفيّة‏:‏ الأداء تسليم عين ما ثبت بالأمر‏.‏ ولم يعتبر في التّعريف التّقييد بالوقت ليشمل أداء الزّكاة والأمانات والمنذورات والكفّارات، كما أنّه يعمّ فعل الواجب والنّفل‏.‏ وقد يطلق كلّ من الأداء والقضاء على الآخر مجازاً شرعيّاً، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قضيتم مناسككم‏}‏ أي أدّيتم، وكقولك‏:‏ نويت أداء ظهر الأمس‏.‏

2 - والأداء إمّا محض، سواء أكان كاملاً كصلاة المكتوبة في جماعة، أم قاصراً كصلاة المنفرد؛ وإمّا غير محض، وهو الشّبيه بالقضاء، كفعل اللاّحق الّذي أدرك أوّل الصّلاة بالجماعة، وفاته الباقي فأتمّ صلاته بعد فراغ الإمام، ففعله أداء باعتبار كونه في الوقت، قضاء باعتبار فوات ما التزمه من الأداء مع الإمام، فهو يقضي ما انعقد له إحرام الإمام، من المتابعة والمشاركة معه بمثله‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - القضاء‏:‏

3 - القضاء لغةً‏:‏ معناه الأداء‏.‏ واستعمله الفقهاء بالمعنى الاصطلاحيّ الآتي، خلافاً للوضع اللّغويّ للتّمييز بينه وبين الأداء‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ ما فعل بعد خروج وقت أدائه استدراكاً لما سبق لفعله مقتض، أو تسليم مثل ما وجب بالأمر، كما يقول الحنفيّة‏.‏ فالفرق بينه وبين الأداء عند الجمهور مراعاة قيد الوقت في الأداء دون القضاء، وعند الحنفيّة مراعاة العين في الأداء والمثل في القضاء، إذ الأداء كما سبق هو فعل المأمور به في وقته بالنّسبة لما له وقت، عند الجمهور، وفي أيّ وقت بالنّسبة لما ليس له وقت محدّد، عند الحنفيّة‏.‏

ب - الإعادة‏:‏

4 - الإعادة لغةً‏:‏ ردّ الشّيء ثانياً، واصطلاحاً‏:‏ ما فعل في وقت الأداء ثانياً لخلل في الأوّل وقيل لعذر‏.‏ فالصّلاة بالجماعة بعد الصّلاة منفرداً تكون إعادةً باعتبار أنّ طلب الفضيلة عذر، فالفرق بينها وبين الأداء السّبق وعدمه‏.‏

الأداء في العبادات

5 - العبادات الّتي لم تحدّد بوقت لا توصف بالأداء بالمعنى الاصطلاحيّ، أي الّذي يقابل القضاء، وذلك عند غير الحنفيّة، إلاّ أنّهم يطلقون عليها لفظ الأداء إطلاقاً لغويّاً بمعنى الإتيان بالمأمور به الأعمّ من الأداء الّذي يقابل القضاء‏.‏ ولذلك يقول الشبراملسي عند الكلام على أداء الزّكاة - أي دفعها‏:‏ ليس المراد بالأداء المعنى المصطلح عليه؛ لأنّ الزّكاة لا وقت لها محدّداً حتّى تصير قضاءً بخروجه‏.‏ أمّا الحنفيّة فغير الوقت عندهم يسمّى أداءً شرعاً وعرفاً، والقضاء يختصّ بالواجب الموقّت‏.‏

أقسام العبادات باعتبار وقت الأداء

6 - العبادات باعتبار وقت الأداء نوعان‏:‏ مطلقة ومؤقّتة‏.‏ فالمطلقة‏:‏ هي الّتي لم يقيّد أداؤها بوقت محدّد له طرفان؛ لأنّ جميع العمر فيها بمنزلة الوقت فيما هو موقّت، وسواء أكانت العبادة واجبةً كالزّكاة والكفّارات، أم مندوبةً كالنّفل المطلق‏.‏ وأمّا العبادات الموقّتة‏:‏ فهي ما حدّد الشّارع وقتاً معيّناً لأدائها، لا يجب الأداء قبله، ويأثم بالتّأخير بعد أن كان المطلوب واجباً، وذلك كالصّلوات الخمس وصوم رمضان‏.‏ ووقت الأداء إمّا موسّع وأمّا مضيّق‏.‏ فالمضيّق‏:‏ هو ما كان الوقت فيه يسع الفعل وحده، ولا يسع غيره معه، وذلك كرمضان فإنّ وقته لا يتّسع لأداء صوم آخر فيه، ويسمّى معياراً أو مساوياً‏.‏ والموسّع‏:‏ هو ما كان الوقت فيه يفضل عن أدائه، أي أنّه يتّسع لأداء الفعل وأداء غيره من جنسه، وذلك كوقت الظّهر مثلاً، فإنّه يسع أداء صلاة الظّهر وأداء صلوات أخرى، ولذلك يسمّى ظرفاً‏.‏ والحجّ من العبادات الّتي يشتبه وقت أدائه بالموسّع والمضيّق؛ لأنّ المكلّف لا يستطيع أن يؤدّي حجّتين في عام واحد، فهو بهذا يشبه المضيّق، ولكن أعمال الحجّ لا تستوعب وقته، فهو بهذا يشبه الموسّع، هذا على اعتباره من الوقت، وقيل إنّه من المطلق باعتبار أنّ العمر وقت للأداء كالزّكاة‏.‏

صفة الأداء حكمه التّكليفيّ

7 - العبادات إمّا فرض أو مندوب، فإن كانت فرضاً كالصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والجهاد والنّذور والكفّارات فإنّه يجب على المكلّف الأهل أداؤها على الوجه المشروع، إذا تحقّق سببها، وتوفّرت شروطها‏.‏ فإن كانت العبادة محدّدةً بوقت له طرفان، سواء أكان الوقت موسّعاً، كوقت الصّلاة، أم كان مضيّقاً كرمضان فإنّه يجب أداؤها في الوقت المحدّد، ولا يجوز أن تتقدّم عليه ولا أن تتأخّر عنه إلاّ لعذر؛ لأنّها تفوت بفوات الوقت المحدّد دون أداءً، وتتعلّق بالذّمّة إلى أن تقتضي‏.‏ ولا خلاف بين الفقهاء في تحديد الوقت الّذي يجب فيه الأداء فيما كان وقته مضيّقاً؛ لأنّ الوقت كلّه مشغول بالعبادة، وليس فيه زمن فارغ منها، إلاّ أنّهم يختلفون في تعيين النّيّة لصحّة الأداء فعند الحنفيّة يكفي مطلق النّيّة؛ لأنّ الوقت لمّا كان معياراً فلا يصلح لعمل آخر من جنسه، وعند الجمهور لا بدّ من التّعيين، فإن لم يعيّن لم يجزه‏.‏ أمّا ما كان وقته موسّعاً فقد اختلف الفقهاء في تحديد الجزء الّذي يتعلّق به وجوب الأداء، فعند الجمهور هو الكلّ لا جزء منه؛ لأنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل في أيّ جزء من أجزاء الوقت، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الوقت ما بين هذين»، وهو يتناول جميع أجزائه، وليس تعيين بعض الأجزاء لوجوب الأداء بأولى من تعيين البعض الآخر، إلاّ أنّ الأداء يجب في أوّل الوقت مع الإمكان، وقيل يستحبّ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أوّل الوقت رضوان اللّه، وآخره عفو اللّه»‏.‏ ويجوز التّأخير إلى آخر الوقت المختار؛ لأنّ عدم جواز التّأخير فيه ضيق على النّاس، فسمح لهم بالتّأخير، وعند الحنابلة وبعض الشّافعيّة يجوز التّأخير لكن مع العزم على الفعل، فإن لم يعزم أثم‏.‏ وإن ظنّ المكلّف أنّه لا يعيش إلى آخر الوقت، الموسّع تضيّق عليه الوقت وحرم عليه التّأخير اعتباراً بظنّه، فإن أخّره ومات عصى اتّفاقاً، فإن لم يمت بل عاش وفعل في آخر الوقت فهو قضاء عند القاضي أبي بكر الباقلاّنيّ أداء عند الجمهور، لصدق تعريف الأداء عليه، ولا عبرة بالظّنّ البيّن خطؤه‏.‏ وعند المحقّقين من الحنفيّة وقت الأداء هو الجزء الّذي يقع فيه الفعل، وأنّ الصّلاة لا تجب في أوّل الوقت على التّعيين، وإنّما تجب في جزء من الوقت غير معيّن، وإنّما التّعيين إلى المصلّي من حيث الفعل حتّى إنّه إذا شرع في أوّل الوقت يجب في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم يعيّن حتّى بقي من الوقت مقدار ما يصلّي فيه أربعاً - وهو مقيم - يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلاً ويأثم بترك التّعيين‏.‏ وقال بعض الحنفيّة العراقيّين‏:‏ إنّ وجوب الأداء يتعلّق بآخر الوقت، فعلى هذا، فإن قدّمه ثمّ زالت أهليّته قبل آخر الوقت فالمؤدّى نفل‏.‏ وقال بعض أصحاب الشّافعيّ‏:‏ إنّ الوجوب يتعلّق بأوّل الوقت فإن أخّره فهو قضاء‏.‏ وكلا الفريقين ممّن ينكرون التّوسّع في الوجوب‏.‏

بم يتحقّق الأداء إذا تضيّق الوقت‏؟‏

8 - اختلف الفقهاء فيما يمكن به إدراك الفرض إذا تضيّق الوقت، فعند الجمهور يمكن إدراكه بركعة بسجدتيها في الوقت، فمن صلّى ركعةً في الوقت ثمّ خرج الوقت يكون مؤدّياً للجميع، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ «من أدرك ركعةً من الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصّبح، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر»، وذهب أشهب إلى أنّها تدرك بالرّكوع وحده وعند الحنفيّة وبعض الحنابلة يمكن إدراك الصّلاة بتكبيرة الإحرام، لما روى أبو هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إذا أدرك أحدكم أوّل سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشّمس فليتمّ صلاته، وإذا أدرك أوّل سجدة من صلاة الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فليتمّ صلاته» وفي رواية «‏:‏ فقد أدرك»؛ ولأنّ الإدراك إذا تعلّق به حكم في الصّلاة استوى فيه الرّكعة وما دونها‏.‏ وقال بعض الحنفيّة والشّافعيّة‏:‏ إنّه يكون مؤدّياً لما صلّى في الوقت قاضياً لما صلّى بعد خروج الوقت، اعتباراً لكلّ جزء بزمانه، واستثنى الحنفيّة من ذلك صلاة الصّبح وحدها، فإنّها لا تدرك إلاّ بأدائها كلّها قبل طلوع الشّمس، وعلّلوا ذلك بطروء الوقت النّاقص على الوقت الكامل، ولذا عدّوا ذلك من مبطلات الصّلاة وأمّا ما كان وقته مطلقاً كالزّكاة والكفّارات والنّذور المطلقة فقد اختلف الفقهاء في وقت وجوب الأداء بناءً على اختلافهم في الأمر به، هل هو على الفور أو على التّراخي‏؟‏ والكلام فيه على مثال ما قيل فيما كان وقته موسّعاً في أنّه يجب تعجيل الأداء في أوّل أوقات الإمكان، ويأثم بالتّأخير بدون عزم على الفعل، أو أنّه على التّراخي ولا يجب التّعجيل ولا يأثم بالتّأخير عن أوّل أوقات الإمكان، لكن الجميع متّفقون على أنّ وجوب الأداء يتضيّق في آخر عمره في زمان يتمكّن فيه من الأداء قبل موته بغالب ظنّه، وأنّه إن لم يؤدّ حتّى مات أثم بتركه‏.‏ هذا بالنّسبة للعبادات الواجبة سواء أكانت موقّتةً أم مطلقةً‏.‏

9 - أمّا المندوب من العبادات فمن المقرّر أنّ المندوب حكمه الثّواب على الفعل وعدم اللّوم على التّرك، لكن فعله أولى من تركه‏.‏ ومن المندوب ما هو موقّت كالرّكعتين قبل الظّهر والرّكعتين بعده، وما بعد المغرب والعشاء، وركعتي الفجر، ومنه ما هو مسبّب كصلاة الخسوف والكسوف، ومنه ما هو مطلق كالتّهجّد‏.‏ ومثل ذلك في الصّوم أيضاً، فمنه ما هو موقّت، كصيام يوم عرفة لغير الحاجّ، وصيام يوم عاشوراء، ومنه ما يتطوّع به الإنسان في أيّ يوم‏.‏ وقد وردت آثار كثيرة في فضل ما زاد على الفرض من العبادات من صلاة وصوم وحجّ وزكاة، ومن ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أفضل الصّلاة بعد الفريضة صلاة اللّيل»‏.‏ وقوله‏:‏ «صوم يوم عاشوراء كفّارة سنة»‏.‏ وكذلك روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول اللّه أنّه قال‏:‏ «من ثابر على اثنتي عشرة ركعةً في اليوم واللّيلة بنى اللّه له بيتاً في الجنّة»‏.‏ وهذه العبادات المندوبة يطلب أداؤها طلباً للثّواب ولا يجب الأداء إلاّ ما شرع فيه، فيجب إتمامه، وإذا فسد قضاه، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة‏.‏ أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فيستحبّ الإتمام إلاّ في تطوّع الحجّ والعمرة، فإنّه إذا شرع فيهما فيجب إتمامهما باتّفاق الجميع‏.‏

أداء أصحاب الأعذار

10 - يشترط لأداء العبادة أهليّة الأداء مع الإمكان والقدرة‏.‏ وقد اختلف الفقهاء في وجوب الأداء بالنّسبة لمن كان أهلاً للأداء في أوّل الوقت، ثمّ طرأ عليه عذر في آخره، كمن كان أهلاً للصّلاة في أوّل الوقت، فلم يصلّ حتّى طرأ عليه آخر الوقت عذر يمنع من الأداء، كما إذا حاضت الطّاهرة في آخر الوقت أو نفست أو جنّ العاقل أو أغمي عليه، أو ارتدّ المسلم والعياذ باللّه وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض‏.‏ فعند الجمهور يلزمهم الفرض؛ لأنّ الوجوب والأهليّة ثابتة في أوّل الوقت فيلزمهم القضاء‏.‏ أمّا عند الحنفيّة فلا يلزمهم الفرض؛ لأنّ الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله، فيستدعي الأهليّة فيه؛ لاستحالة الإيجاب على غير الأهل، ولم يوجد، فلم يكن عليه قضاء‏.‏ وهو أيضاً رأي الإمام مالك وابن الحاجب وابن عرفة، خلافاً لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ حيث القضاء عندهم أحوط‏.‏ أمّا من لم يكن أهلاً في أوّل الوقت، ثمّ زال العذر في آخر الوقت، كما إذا طهرت الحائض في آخر الوقت وأسلم الكافر وبلغ الصّبيّ وأفاق المجنون والمغمى عليه وأقام المسافر أو سافر المقيم فللحنفيّة قولان‏:‏ أحدهما وهو قول زفر أنّه لا يجب الفرض ولا يتغيّر الأداء إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه أداء الفرض‏.‏ والقول الثّاني للكرخيّ وأكثر المحقّقين‏:‏ أنّه يجب الفرض ويتغيّر الأداء إذا بقي من الوقت مقدار ما يسع التّحريمة فقط، وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة‏.‏ وعند المالكيّة يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة مع زمن يسع الطّهر، وهو قول لبعض الشّافعيّة، وفي قول آخر للشّافعيّة إذا بقي مقدار ركعة فقط‏.‏ هذا مثال لاعتبار أهليّة الأداء في بعض العبادات البدنيّة‏.‏

ولمعرفة التّفاصيل ‏(‏ر‏:‏ أهليّة‏.‏ حجّ‏.‏ صلاة‏.‏ صوم‏)‏‏.‏

11 - أمّا بالنّسبة للقدرة على الأداء فإنّ المطلوب أداء العبادة على الصّفة الّتي ورد بها الشّرع، ففي الصّلاة مثلاً يجب أن يكون أداؤها على الصّفة الّتي وردت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء في قوله‏:‏ «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، فمن عجز عن أداء الصّلاة على الصّفة المشروعة جاز له أن يصلّي بالصّفة الّتي يستطيع بها أداء الصّلاة، فمن عجز عن القيام صلّى جالساً، ومن لم يستطع فعلى جنب‏.‏ وهذا باتّفاق «لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين‏:‏ صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب»، وهكذا، وكذلك العاجز عن الصّوم لشيخوخة أو مرض لا يرجى برؤه لا يجب عليه الصّوم؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعل عليكم في الدّين من حرج‏}‏ مع الاختلاف في وجوب الفدية وعدمها، فقيل‏:‏ تجب عن كلّ يوم مدّ من طعام، وقيل‏:‏ لا تجب‏.‏ والحجّ أيضاً لا يجب أداؤه إلاّ على المستطيع بالمال والبدن والمحرم أو الرّفقة المأمونة بالنّسبة للمرأة‏.‏ فمن عجز عن ذلك فلا يجب عليه الحجّ؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً‏}‏‏.‏

12 - وأمّا بالنّسبة للعبادات الماليّة كالزّكاة فنظراً للأهليّة اختلف الفقهاء في وجوب الزّكاة على الصّبيّ والمجنون، فعند الجمهور تجب الزّكاة في مال الصّبيّ والمجنون، لأنّه حقّ يتعلّق بالمال، ويؤدّي عنهما وليّهما، وتعتبر نيّة الوليّ في الإخراج‏.‏ وعند الحنفيّة لا يجب عليهما الزّكاة؛ لأنّ الزّكاة عبادة، وهما ليسا من أهلها‏.‏ وكذلك من عجز عن أداء ما وجب عليه من الكفّارة وقت الوجوب، ثمّ تغيّر حاله، فقد اختلف الفقهاء في ذلك‏.‏ فعند الحنفيّة والمالكيّة‏:‏ العبرة بوقت الأداء لا بوقت الوجوب، وهو أحد الأقوال عند الشّافعيّة، فلو كان موسراً وقت الوجوب جاز له الصّوم‏.‏ وعند الحنابلة وفي قول عند الشّافعيّ أنّ العبرة بوقت الوجوب لا بوقت الأداء‏.‏ وفي قول آخر للشّافعيّة والحنابلة أنّه يعتبر أغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التّكفير‏.‏

تعجيل الأداء عن وقت الوجوب أو سببه

13 - العبادات الموقّتة بوقت، والّتي يعتبر الوقت سبباً لوجوبها، كالصّلاة والصّيام فإنّ الوقت فيهما سبب الوجوب؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أقم الصّلاة لدلوك الشّمس‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شهد منكم الشّهر فليصمه‏}‏‏.‏ هذه العبادات لا يجوز تعجيل الأداء فيها عن وقت الوجوب، وهذا باتّفاق‏.‏ أمّا العبادات الّتي لا يعتبر الوقت سبباً لوجوبها، وإن كان شرطاً فيها، كالزّكاة، أو المطلقة الوقت كالكفّارات، فإنّ الفقهاء يختلفون في جواز تعجيل الأداء عن وقت وجوبها أو عن أسبابها‏:‏ ففي الزّكاة مثلاً يجوز تعجيل الأداء قبل الحول متى تمّ النّصاب، وذلك عند جمهور الفقهاء، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تسلّف من العبّاس رضي الله عنه زكاة عامين؛ ولأنّه حقّ مال أجّل للرّفق، فجاز تعجيله قبل محلّه، كالدّين المؤجّل‏.‏ أمّا المالكيّة فإنّه لا يجوز عندهم إخراج الواجب قبل تمام الحول إلاّ بالزّمن اليسير كالشّهر‏.‏ وصدقة الفطر يجوز تعجيلها عن وقتها عند الحنفيّة والشّافعيّة، أمّا عند المالكيّة والحنابلة فلا يجوز إخراجها قبل وقتها إلاّ بالزّمن اليسير، كاليوم واليومين‏.‏ وكفّارة اليمين يجوز تعجيلها قبل الحنث عند الجمهور، مع تخصيص الشّافعيّة التّقديم إذا كان بغير الصّوم، ولا يجوز التّقديم على الحنث عند الحنفيّة‏.‏ وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في مواضعها‏.‏

النّيابة في أداء العبادات

14 - العبادات الماليّة المحضة كالزّكاة والصّدقات والكفّارات تجوز فيها النّيابة، سواء كان من هي عليه قادراً على الأداء بنفسه أم لا؛ لأنّ الواجب فيها إخراج المال، وهو يحصل بفعل النّائب‏.‏

15 - أمّا العبادات البدنيّة المحضة كالصّلاة والصّوم فلا تجوز فيها النّيابة حال الحياة باتّفاق؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى‏}‏، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلّي أحد عن أحد»، أي في حقّ الخروج عن العهدة، لا في حقّ الثّواب‏.‏ أمّا بعد الممات فكذلك الحكم عند الحنفيّة والمالكيّة، إلاّ ما قاله ابن عبد الحكم من المالكيّة من أنّه يجوز أن يستأجر عن الميّت من يصلّي عنه ما فاته من الصّلوات‏.‏ وعند الشّافعيّة لا تجوز النّيابة عن الميّت في الصّلاة‏.‏ أمّا بالنّسبة للصّوم فعندهم أنّ من فاته شيء من رمضان، ومات قبل إمكان القضاء، فلا شيء عليه، أي لا يفدى عنه ولا إثم عليه، أمّا إذا تمكّن من القضاء، ولم يصم حتّى مات، ففيه قولان‏:‏ أحدهما أنّه لا يصحّ الصّوم عنه، لأنّه عبادة بدنيّة، فلا تدخلها النّيابة في حال الحياة فكذلك بعد الموت‏.‏ والقول الثّاني‏:‏ أنّه يجوز أن يصوم وليّه عنه، بل يندب، لخبر الصّحيحين أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من مات وعليه صوم صام عنه وليّه» وهذا الرّأي هو الأظهر‏.‏ قال السّبكيّ‏:‏ ويتعيّن أن يكون هو المختار والمفتى به، والقولان يجريان في الصّيام المنذور إذا لم يؤدّ‏.‏ وعند الحنابلة لا تجوز النّيابة عن الميّت في الصّلاة أو الصّيام الواجب بأصل الشّرع - أي الصّلاة المفروضة وصوم رمضان - لأنّ هذه العبادات لا تدخلها النّيابة حال الحياة، فبعد الموت كذلك‏.‏ أمّا ما أوجبه الإنسان على نفسه بالنّذر، من صلاة أو صوم، فإن كان لم يتمكّن من فعل المنذور، كمن نذر صوم شهر معيّن ومات قبل حلوله، فلا شيء عليه، فإن تمكّن من الأداء ولم يفعل حتّى مات سنّ لوليّه فعل النّذر عنه؛ لحديث ابن عبّاس‏:‏ «جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها‏؟‏ قال‏:‏ أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فصومي عن أمّك»‏.‏ ولأنّ النّيابة تدخل في العبادة بحسب خفّتها، والنّذر أخفّ حكماً؛ لأنّه لم يجب بأصل الشّرع‏.‏ ويجوز لغير الوليّ فعل ما على الميّت من نذر بإذنه وبدون إذنه‏.‏

16 - وقد اختلف الفقهاء بالنّسبة للحجّ باعتبار ما فيه من جانب ماليّ وجانب بدنيّ‏.‏ والمالكيّة - في المشهور عندهم - هم الّذين يقولون بعدم جواز النّيابة في الحجّ‏.‏ أمّا بقيّة الفقهاء فتصحّ عندهم النّيابة في الحجّ، لكنّهم يقيّدون ذلك بالعذر، وهو العجز عن الحجّ بنفسه؛ لما رواه ابن عبّاس «أنّ امرأةً من خثعم قالت‏:‏ يا رسول اللّه إنّ فريضة اللّه على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الرّاحلة أفأحجّ عنه‏؟‏ قال‏:‏ نعم»‏.‏ وفي حديث آخر قال لرجل‏:‏ «أرأيتك لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه قبل منك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ فاللّه أرحم‏.‏ حجّ عن أبيك»‏.‏ وضابط العذر الّذي تصحّ معه النّيابة هو العجز الدّائم إلى الموت، وذلك كالشّيخ الفاني والزّمن والمريض الّذي لا يرجى برؤه‏.‏ فهؤلاء إذا وجدوا مالاً يلزمهم الاستنابة في الحجّ عنهم‏.‏ ومن أحجّ عن نفسه للعذر الدّائم، ثمّ زال العذر قبل الموت، فعند الحنفيّة لم يجز حجّ غيره عنه، وعليه الحجّ؛ لأنّ جواز الحجّ عن الغير ثبت بخلاف القياس، لضرورة العجز الّذي لا يرجى زواله، فيتقيّد الجواز به‏.‏ وعند الحنابلة يجزئ حجّ الغير، ويسقط عنه الفرض؛ لأنّه أتى بما أمر به فخرج من العهدة، كما لو لم يبرأ‏.‏ لكن ذلك مقيّد بما إذا عوفي بعد فراغ النّائب من الحجّ، فإذا عوفي قبل فراغ النّائب فينبغي أن لا يجزئه الحجّ؛ لأنّه قدر على الأصل قبل تمام البدل، ويحتمل أن يجزئه، وإن برأ قبل إحرام النّائب لم يجزئه بحال‏.‏ وللشّافعيّة قولان بالإجزاء وعدمه والمريض الّذي يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه إذا أحجّ عنه فعند الحنفيّة هذا الحجّ موقوف‏.‏ إن مات المحجوج عنه وهو مريض أو محبوس جاز الحجّ، وإن زال المرض أو الحبس قبل الموت لم يجز‏.‏ وعند الحنابلة وفي قول للشّافعيّة‏:‏ ليس له أن يستنيب أصلاً؛ لأنّه لم ييأس من الحجّ بنفسه، فلا تجوز فيه النّيابة كالصّحيح، فإن خالف وأحجّ عن نفسه، لم يجزئه ولو لم يبرأ؛ لأنّه يرجو القدرة على الحجّ بنفسه فلم يكن به الاستنابة، وعليه أن يحجّ عن نفسه مرّةً أخرى، وفي القول الثّاني للشّافعيّة أنّه يجزئه إذا مات؛ لأنّه لمّا مات تبيّنّا أنّه كان مأيوساً منه‏.‏ والمشهور عند المالكيّة أنّه لا تجوز النّيابة في الحجّ مطلقاً‏.‏ وقيل تصحّ النّيابة في الحجّ لغير المستطيع، قال الباجيّ‏:‏ تجوز النّيابة للمعضوب كالزّمن والهرم‏.‏ وقال أشهب‏:‏ إن آجر صحيح من يحجّ عنه لزمه للخلاف‏.‏ وسواء فيما مرّ في المذاهب حجّ الفريضة وحجّ النّذر‏.‏ والعمرة في ذلك كالحجّ‏.‏

17 - أمّا بالنّسبة لحجّ التّطوّع فعند الحنفيّة تجوز فيه الاستنابة بعذر وبدون عذر، وعند الحنابلة إن كان لعذر جاز وإن كان لغير عذر ففيه روايتان‏:‏ إحداهما يجوز؛ لأنّها حجّة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب‏.‏ والرّواية الثّانية لا يجوز، لأنّه قادر على الحجّ بنفسه، فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض، وللشّافعيّة قولان فيما إذا كان بعذر‏:‏ أحدهما لا يجوز؛ لأنّه غير مضطرّ إلى الاستنابة فيه، فلم تجز الاستنابة فيه كالصّحيح، والثّاني يجوز، وهو الصّحيح؛ لأنّ كلّ عبادة جازت النّيابة في فرضها جازت النّيابة في نفلها‏.‏ وتكره الاستنابة في التّطوّع عن المالكيّة‏.‏

18 - وما مرّ إنّما هو بالنّسبة للحيّ‏.‏ أمّا الميّت فعند الحنابلة والشّافعيّة‏:‏ من مات قبل أن يتمكّن من أداء الحجّ سقط فرضه، ولا يجب القضاء عنه، وإن مات بعد التّمكّن من الأداء ولم يؤدّ لم يسقط الفرض، ويجب القضاء من تركته، لما روى بريدة قال‏:‏ «أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت‏:‏ يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت، ولم تحجّ فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ حجّي عن أمّك»، ولأنّه حقّ تدخله النّيابة حال الحياة، فلم يسقط بالموت، كدين الآدميّ، ومثل ذلك الحجّ المنذور؛ لما روى ابن عبّاس قال‏:‏ «أتى رجل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ إنّ أختي نذرت أن تحجّ، وإنّها ماتت، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو كان عليها دين أكنت قاضيه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاقض اللّه فهو أحقّ بالقضاء»‏.‏ وعند الحنفيّة والمالكيّة‏:‏ من مات ولم يحجّ فلا يجب الحجّ عنه، إلاّ أن يوصي بذلك، فإذا أوصى حجّ من تركته‏.‏ وإذا لم يوص بالحجّ عنه، فتبرّع الوارث بالحجّ بنفسه، أو بالإحجاج عنه رجلاً جاز، ولكن مع الكراهة عند المالكيّة‏.‏

تأخير الأداء عن وقت الوجوب

19 - تأخير أداء العبادات عن وقت الوجوب دون عذر يوجب الإثم، فإن كان من العبادات المؤقّتة بوقت محدّد، كالصّلاة والصّيام وجب قضاؤها، وكذلك النّذر المعيّن إذا لم يؤدّ‏.‏ وإن كانت العبادات وقتها العمر، كالزّكاة والحجّ فإنّه متى توفّرت شروط الأداء، كحولان الحول وكمال النّصاب في الزّكاة مع إمكان الأداء، ولم يتمّ الأداء ترتّب المال في الذّمّة، وكذلك الحجّ إذا وجدت الاستطاعة الماليّة والبدنيّة، ولم يؤدّ الحجّ فهو باق في ذمّته‏.‏ ومثل ذلك الواجبات المطلقة كالنّذور والكفّارات مع اختلاف الفقهاء فيمن مات، ولم يؤدّ الزّكاة أو الحجّ أو النّذر أو الكفّارة، وكلّ ما كان واجباً ماليّاً، وأمكن أداؤه، ولم يؤدّ حتّى مات المكلّف، فعند الحنفيّة والمالكيّة لا تؤدّى من تركته، إلاّ إذا أوصى بها، فإذا لم يوص فقد سقطت بالنّسبة لأحكام الدّنيا، وعند الحنابلة والشّافعيّة تؤدّى من تركته وإن لم يوص‏.‏ وهذا في الجملة وللتّفصيل ‏(‏ر‏:‏ قضاء‏.‏ حجّ‏.‏ زكاة‏.‏ نذر‏)‏‏.‏ هذا بالنّسبة للعبادات الواجبة سواء كانت مؤقّتةً أو غير مؤقّتة‏.‏

20 - أمّا النّفل - سواء منه المطلق أو المترتّب بسبب أو وقت - فقد اختلف الفقهاء في قضائه إذا فات‏:‏ فعند الحنفيّة والمالكيّة لا يقضى شيء من السّنن سوى سنّة الفجر‏.‏ واستدلّ الحنفيّة على ذلك بما روت أمّ سلمة «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل حجرتي بعد العصر، فصلّى ركعتين، فقلت‏:‏ يا رسول اللّه‏:‏ ما هاتان الرّكعتان اللّتان لم تكن تصلّيهما من قبل‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ركعتان كنت أصلّيهما بعد الظّهر»، وفي رواية‏:‏ «ركعتا الظّهر شغلني عنهما الوفد، فكرهت أن أصلّيهما بحضرة النّاس، فيروني‏.‏ فقلت‏:‏ أفأقضيهما إذا فاتتا‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏» وهذا نصّ على أنّ القضاء غير واجب على الأمّة، وإنّما هو شيء اختصّ به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقياس هذا الحديث أنّه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلاً، إلاّ أنّا استحسنّا القضاء إذا فاتتا مع الفرض؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعلهما مع الفرض ليلة التّعريس، فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته، وهذا بخلاف الوتر؛ لأنّه واجب عند أبي حنيفة، والواجب ملحق بالفرض في حقّ العمل‏.‏ وعند الحنابلة قال الإمام أحمد‏:‏ لم يبلغنا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى شيئاً من التّطوّع إلاّ ركعتي الفجر والرّكعتين بعد العصر، وقال القاضي وبعض الأصحاب‏:‏ لا يقضى إلاّ ركعتا الفجر وركعتا الظّهر‏.‏ وقال ابن حامد‏:‏ تقضى جميع السّنن الرّواتب، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بعضها وقسنا الباقي عليه‏.‏ وفي شرح منتهى الإرادات‏:‏ يسنّ قضاء الرّواتب إلاّ ما فات مع فرضه وكثر فالأولى تركه، إلاّ سنّة فجر، فيقضيها مطلقاً لتأكّدها‏.‏ وللشّافعيّة قولان‏:‏ أحدهما أنّ السّنن الرّاتبة لا تقضى؛ لأنّها صلاة نفل، فلم تقض، كصلاة الكسوف والاستسقاء، والثّاني تقضى لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من نام عن صلاة أو سها فليصلّها إذا ذكرها‏.‏»

21 - وأمّا قضاء سنّة الفجر إذا فاتت فعند الحنفيّة لا تقضى إلاّ إذا فاتت مع الفجر، وإذا فاتت وحدها فلا تقضى‏.‏ وعند جمهور الفقهاء تقضى سواء فاتت وحدها أو مع الفجر‏.‏ واختلف في الوقت الّذي يمتدّ إليه القضاء، فعند الحنفيّة والمالكيّة‏:‏ تقضى إلى الزّوال، وعند الحنابلة إلى الضّحى، وعند الشّافعيّة تقضى أبداً‏.‏ وهذا في الجملة‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في مكان آخر ‏(‏ر‏:‏ نفل‏.‏ قضاء‏)‏‏.‏

22 - وما شرع فيه من النّفل المطلق فإنّه يجب إتمامه، وإذا فسد يقضى‏.‏ وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة‏.‏ وعند الحنابلة والشّافعيّة يستحبّ الإتمام ولا يجب، كما أنّه يستحبّ القضاء إلاّ في تطوّع الحجّ والعمرة فيجب إتمامهما إذا شرع فيهما‏.‏

الامتناع عن الأداء

23 - العبادات الواجبة وجوباً عينيّاً أو كفائيّاً كالصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والجهاد وصلاة الجنازة تعتبر من فرائض الإسلام ومعلومة من الدّين بالضّرورة، وقد ورد الأمر بها في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القتال‏}‏ وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بني الإسلام على خمس‏:‏ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان»‏.‏ وهذه العبادات يجب على كلّ مكلّف أداؤها على الصّفة الّتي ورد بها الشّرع‏.‏ ومن امتنع عن أدائها فإن كان جاحداً لها فإنّه يعتبر كافراً يقتل كفراً بعد أن يستتاب‏.‏ وإن امتنع عن أدائها كسلاً ففي العبادات البدنيّة، كالصّلاة يؤدّب ويعزّر، ويترك إلى أن يتضيّق الوقت، فإن ظلّ على امتناعه قتل حدّاً لا كفراً، وهذا عند الجمهور‏.‏ وعند الحنفيّة يحبس أبداً حتّى يصلّي‏.‏ وفي العبادات الماليّة كالزّكاة إن امتنع عن أدائها بخلاً فإنّها تؤخذ منه كرهاً، ويقاتل عليها كما فعل أبو بكر رضي الله عنه بمانعي الزّكاة، أمّا تارك الحجّ كسلاً فسواء أكان على الفور أم على التّراخي فإنّه يترك، ولكن يؤمر به ويديّن لأنّ شرطه الاستطاعة، وقد يكون له عذر باطنيّ لم يعرف‏.‏

24 - أمّا غير الواجبات من العبادات وهو ما يسمّى مندوباً أو سنّةً أو نافلةً فهو ما يثاب فاعله ولا يذمّ تاركه، وهذا على الجملة؛ لأنّ من السّنّة ما يعتبر إظهاراً للدّين، وتركها يوجب إساءةً وكراهيةً، وذلك كالجماعة والأذان والإقامة وصلاة العيدين؛ لأنّها من شعائر الإسلام، وفي تركها تهاون بالشّرع، ولذلك لو اتّفق أهل بلدة على تركها وجب قتالهم بخلاف سائر المندوبات؛ لأنّها تفعل فرادى‏.‏

أثر الأداء في العبادات

25 - أداء العبادة على الوجه المشروع باستيفاء أركانها وشرائطها يستلزم الإجزاء وهذا باتّفاق على تفسير الإجزاء بمعنى الامتثال بالإتيان بالمأمور به‏.‏ وأنّ ذلك يبرّئ الذّمّة بغير خلاف، وعلى تفسير الإجزاء بمعنى إسقاط القضاء فالمختار أنّه يستلزمه، خلافاً لعبد الجبّار المعتزليّ من أنّه لا يستلزمه‏.‏ والفعل المؤدّى على وجهه المشروع يوصف بالصّحّة، وإلاّ فبالفساد أو البطلان، مع تفريق الحنفيّة بين الفاسد والباطل‏.‏ والصّحّة أعمّ من الإجزاء؛ لأنّها تكون صفةً للعبادات والمعاملات، أمّا الإجزاء فلا يوصف به إلاّ العبادات‏.‏ وإذا كانت العبادات المستجمعة شرائطها وأركانها تبرّئ الذّمّة بلا خلاف فإنّه قد اختلف في ترتّب الثّواب على هذه العبادة أو عدم ترتّبه، فقيل‏:‏ إنّه لا يلزم من إبراء الذّمّة ترتّب الثّواب على الفعل، فإنّ اللّه قد يبرّئ الذّمّة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصّور، وهذا هو معنى القبول، وهذا بناءً على قاعدة أنّ القبول والثّواب غير الإجزاء وغير الفعل الصّحيح‏.‏ وقيل‏:‏ إنّه لم يكن في الشّرع واجب صحيح يجزئ إلاّ وهو مقبول مثاب عليه، كما هو مقتضى قاعدة سعة الثّواب، والآيات والأحاديث المتضمّنة لوعد المطيع بالثّواب‏.‏

أداء الشّهادة حكم أداء الشّهادة

26 - أداء الشّهادة فرض كفاية؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وأقيموا الشّهادة للّه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يأب الشّهداء إذا ما دعوا‏}‏، فإذا تحمّلها جماعة وقام بأدائها منهم من فيه كفاية سقط الأداء عن الباقين، لأنّ المقصود بها حفظ الحقوق وذلك يحصل ببعضهم، وإن امتنع الكلّ أثموا جميعاً لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكتموا الشّهادة ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه‏}‏، ولأنّ الشّهادة أمانة فلزم الأداء عند الطّلب‏.‏ وقد يكون أداء الشّهادة فرض عين إذا كان لا يوجد غيره ممّن يقع به الكفاية، وتوقّف الحقّ على شهادته فإنّه يتعيّن عليه الأداء؛ لأنّه لا يحصل المقصود إلاّ به‏.‏ إلاّ أنّه إذا كانت الشّهادة متعلّقةً بحقوق العباد وأسبابها أي في محض حقّ الآدميّ، وهو ما له إسقاطه كالدّين والقصاص فلا بدّ من طلب المشهود له لوجوب الأداء، فإذا طلب وجب عليه الأداء، حتّى لو امتنع بعد الطّلب يأثم، ولا يجوز له أن يشهد قبل طلب المشهود له؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يفشو الكذب حتّى يشهد الرّجل قبل أن يستشهد»‏.‏ ولأنّ أداءها حقّ للمشهود له، فلا يستوفى إلاّ برضاه، وإذا لم يعلم ربّ الشّهادة بأنّ الشّاهد تحمّلها استحبّ لمن عنده الشّهادة إعلام ربّ الشّهادة بها‏.‏ وإذا كانت الشّهادة متعلّقةً بحقوق اللّه تعالى، وفيما سوى الحدود، كالطّلاق والعتق وغيرها من أسباب الحرمات فيلزمه الأداء حسبةً للّه تعالى عند الحاجة إلى الأداء من غير طلب من أحد من العباد‏.‏ وأمّا في أسباب الحدود من الزّنا والسّرقة وشرب الخمر فالسّتر أمر مندوب إليه؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من ستر مسلماً ستره اللّه في الدّنيا والآخرة»، ولأنّه مأمور بدرء الحدّ‏.‏ وصرّح الحنفيّة بأنّ الأولى السّتر إلاّ إذا كان الجاني متهتّكاً، وبمثل ذلك قال المالكيّة‏.‏

27 - وإذا وجب أداء الشّهادة على إنسان ولكنّه عجز لبعد المسافة، كأن دعي من مسافة القصر أو كان سيلحقه ضرر في بدنه أو ماله أو أهله فلا يلزمه الأداء لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يضارّ كاتب ولا شهيد‏}‏، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا ضرر ولا ضرار»‏.‏ ولأنّه لا يلزمه أن يضرّ نفسه لنفع غيره‏.‏ كذلك قال بعض الفقهاء‏:‏ لا يجب الأداء إذا كان الحاكم غير عدل، قال الإمام أحمد‏:‏ كيف أشهد عند رجل ليس عدلاً، لا أشهد‏.‏

كيفيّة أداء الشّهادة

28 - يعتبر لفظ الشّهادة في أدائها عند جمهور الفقهاء، فيقول‏:‏ أشهد أنّه أقرّ بكذا ونحوه؛ لأنّ الشّهادة مصدر شهد يشهد، فلا بدّ من الإتيان بفعلها المشتقّ منها؛ ولأنّ فيها معنًى لا يحصل في غيرها من الألفاظ، ولو قال‏:‏ أعلم أو أتيقّن أو أعرف لم يعتدّ به ولا تقبل شهادته، إلاّ أنّ من المالكيّة من لم يشترط لأداء الشّهادة صيغةً مخصوصةً بل قالوا‏:‏ المدار فيها على ما يدلّ على حصول علم الشّاهد بما شهد به كرأيت كذا أو سمعت كذا وهو الأظهر عندهم‏.‏ ولتحمّل الشّهادة وأدائها شروط تفصيلها في مصطلح ‏(‏شهادة‏)‏‏.‏

أداء الدّين مفهوم الدّين

29 - الدّين هو الوصف الثّابت في الذّمّة، أو هو اشتغال الذّمّة بمال وجب بسبب من الأسباب، سواء أكان عقداً كالبيع والكفالة والصّلح والخلع، أم تبعاً للعقد كالنّفقة، أم بغير ذلك كالغصب والزّكاة وضمان المتلفات، ويطلق على المال الواجب في الذّمّة مجازاً، لأنّه يؤول إلى المال‏.‏

حكم أداء الدّين‏:‏

30 - أداء الدّين على الوصف الّذي وجب فرض بالإجماع؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فليؤدّ الّذي اؤتمن أمانته‏}‏‏.‏ وهو يعتبر كما قال بعض الفقهاء من الحوائج الأصليّة‏.‏ وإذا كان الدّين حالّاً فإنّه يجب أداؤه على الفور عند الطّلب، ويقال له الدّين المعجّل وذلك متى كان قادراً على الأداء لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مطل الغنيّ ظلم» أمّا إذا كان الدّين مؤجّلاً فلا يجب أداؤه قبل حلول الأجل، لكن لو أدّى قبله صحّ وسقط عن ذمّة المدين‏.‏ وقد يصبح المؤجّل حالّاً فيجب أداؤه على الفور وذلك بالرّدّة أو بالموت أو بالتّفليس‏.‏ وللفقهاء تفصيلات كثيرة في ذلك تنظر في ‏(‏دين‏.‏ أجل‏.‏ إفلاس‏)‏‏.‏

كيفيّة أداء الدّين

31 - الأداء هو تسليم الحقّ لمستحقّه، وتسليم الحقّ في الدّيون إنّما يكون بأمثالها؛ لأنّه لا طريق لأداء الدّيون سوى هذا، ولهذا كان للمقبوض في الصّرف والسّلم حكم عين الحقّ إذ لو لم يكن كذلك لصار استبدالاً ببدل الصّرف ورأس مال السّلم والمسلم فيه قبل القبض وهو حرام، وكذا له حكم عين الحقّ في غير الصّرف والسّلم، بدليل أنّه يجبر ربّ الدّين على القبض، ولو كان غير حقّه لم يجبر عليه، وفيما لا مثل له ممّا تعلّق بالذّمّة تجب القيمة كما في الغصب والمتلفات‏.‏ وقيل إنّه في القرض إذا تعذّر المثل فإنّه يجب ردّ المثل في الخلقة والصّورة؛ لحديث أبي رافع «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن يقضي البكر بالبكر»؛ ولأنّ ما ثبت في الذّمّة بعقد السّلم ثبت بعقد القرض قياساً على ما له مثل‏.‏ ويجوز الأداء بالأفضل إذا كان بدون شرط، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم «استسلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصّدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرّجل بكره، فرجع إليه رافع فقال‏:‏ لم أجد فيها إلاّ خياراً رباعيّاً، فقال‏:‏ أعطه إيّاه، إنّ خيار النّاس أحسنهم قضاءً»‏.‏ ومن طولب بالأداء ببلد آخر فيما لا حمل له ولا مؤنة وجب الأداء‏.‏

ما يقوم مقام الأداء

32 - إذا أدّى المدين ما عليه بالصّفة الواجبة سقط عنه الدّين، وبرئت ذمّته، ويقوم مقام الأداء في إسقاط الدّين وبراءة الذّمّة إبراء صاحب الدّين للمدين ممّا عليه أو هبته له أو تصدّقه به عليه، كذلك يقوم مقام الأداء من حيث الجملة الحوالة بالدّين أو المقاصّة، أو انقضاء المدّة أو الصّلح أو تعجيز العبد نفسه في بدل الكتابة، وذلك كلّه بالشّروط الخاصّة الّتي ذكرها الفقهاء لكلّ حالة من ضرورة القبول أو عدمه، وفيما يجوز فيه من الدّيون وما لا يجوز وغير ذلك من الشّروط‏.‏ وينظر التّفصيل في ذلك في ‏(‏إبراء، دين، حوالة، هبة، إلخ‏)‏‏.‏

الامتناع عن الأداء

33 - من كان عليه دين وكان موسراً فإنّه يجب عليه أداؤه، فإن ماطل ولم يؤدّ ألزمه الحاكم بالأداء بعد طلب الغرماء، فإن امتنع حبسه لظلمه بتأخير الحقّ من غير ضرورة؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته»، والحبس عقوبة، فإن لم يؤدّ وكان له مال ظاهر باعه الحاكم عليه؛ لما روي «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم باع على معاذ ماله وقضى ديونه»‏.‏ وكذلك روي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه باع مال أسيفع وقسمه بين غرمائه‏.‏

34 - وإن كان للمدين مال ولكنّه لا يفي بديونه وطلب الغرماء الحجر عليه لزم القاضي إجابتهم، وله منعه من التّصرّف حتّى لا يضرّ بالغرماء، ويبيع ماله إن امتنع هو عن بيعها، ويقسمها بين الغرماء بالحصص‏.‏ وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة وأبي يوسف ومحمّد، وخالف أبو حنيفة فقال‏:‏ لا يحجر على المدين، لأنّ الحجر فيه إهدار لآدميّته، وإنّما يحبسه القاضي إذا كان له مال حتّى يبيع ويوفّي دينه، إلاّ إن كان ماله دراهم أو دنانير، والدّين مثله، فإنّ القاضي يقضي الدّين منه بغير أمره؛ لأنّ ربّ الدّين له أخذه بغير أمره فالقاضي يعينه عليه‏.‏

35 - وإن كان المدين معسراً وثبت ذلك خلّى سبيله، ووجب إنظاره؛ لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة‏}‏‏.‏

36 - والمدين المعسر يجب عليه التّكسّب لوفاء ما عليه، ولكنّه لا يجبر على التّكسّب ولا على قبول الهدايا والصّدقات، لكن ما يجدّ له من مال من كسبه فإنّ حقّ الغرماء يتعلّق به‏.‏

37 - والغارم إن استدان لنفسه في غير معصية يؤدّي دينه من الزّكاة؛ لأنّه من مصارفها‏.‏

38 - هذا بالنّسبة للحيّ، أمّا من مات وعليه دين فإنّ الدّين يتعلّق بالتّركة، ويجب الأداء منها قبل تنفيذ الوصايا وأخذ الورثة نصيبهم؛ لأنّ الدّين مستحقّ عليه؛ ولأنّ فراغ ذمّته من أهمّ حوائجه، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الدّين حائل بينه وبين الجنّة» وأداء الفرض أولى من التّبرّعات، وقد قدّمه اللّه تعالى على القسمة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من بعد وصيّة يوصي بها أو دين‏}‏‏.‏ فتجب المبادرة بأداء دينه تعجيلاً للخير لحديث‏:‏ «نفس المؤمن معلّقة بدينه حتّى يقضى عنه»‏.‏ وما مرّ إنّما هو بالنّسبة لديون الآدميّ‏.‏ أمّا ديون اللّه تعالى كالزّكاة والكفّارات والنّذور فقد سبق بيانه‏.‏ ‏(‏ف / 14، 16‏)‏

أداء القراءة معنى الأداء في القراءة

39 - الأداء عند القرّاء يطلق على أخذ القرآن عن المشايخ‏.‏ والفرق بينه وبين التّلاوة والقراءة، أنّ التّلاوة هي قراءة القرآن متتابعاً كالأوراد والأحزاب، والأداء هو الأخذ عن المشايخ، والقراءة تطلق على الأداء والتّلاوة فهي أعمّ منهما‏.‏ والأداء الحسن في القراءة هو تصحيح الألفاظ وإقامة الحروف على الصّفة المتلقّاة من أئمّة القراءة المتّصلة بالرّسول ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ الّتي لا تجوز مخالفتها، ولا العدول عنها إلى غيرها، ولذلك فإنّ من اللّحن الخفيّ ما يختصّ بمعرفته علماء القراءة وأئمّة الأداء الّذين تلقّوا من أقوال العلماء، وضبطوا عن ألفاظ أهل الأداء الّذين ترتضى تلاوتهم، ويوثق بعربيّتهم، ولم يخرجوا عن القواعد الصّحيحة فأعطوا كلّ حرف حقّه من التّجويد والإتقان‏.‏ حكم حسن الأداء في القراءة‏:‏

40 - قال الشّيخ الإمام أبو عبد اللّه بن نصر عليّ بن محمّد الشّيرازيّ في كتابه ‏(‏الموضّح في وجوه القراءات‏)‏‏:‏ إنّ حسن الأداء فرض في القراءة، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حقّ تلاوته صيانةً للقرآن عن أن يجد اللّحن والتّغيير إليه سبيلاً‏.‏ وقد اختلف العلماء في الحالات الّتي يجب فيها حسن الأداء، فذهب بعضهم إلى أنّ ذلك مقصور على ما يلزم المكلّف قراءته في المفترضات، فإنّ تجويد اللّفظ وتقويم الحروف واجب فيه فحسب‏.‏ وذهب آخرون إلى أنّ ذلك واجب على كلّ من قرأ شيئاً من القرآن كيفما كان، لأنّه لا رخصة في تغيير النّطق بالقرآن واتّخاذ اللّحن إليه سبيلاً إلاّ عند الضّرورة وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قرآناً عربيّاً غير ذي عوج‏}‏ وينظر التّفصيل في مصطلحي ‏"‏ تجويد، تلاوة»‏.‏

أداة

انظر‏:‏ آلة‏.‏

أدب

التّعريف

1 - أصل معنى كلمة ‏"‏ أدب ‏"‏ في اللّغة‏:‏ «الجمع ‏"‏، ومنه‏:‏ الأدب بمعنى الظّرف وحسن التّناول‏.‏ سمّي أدباً؛ لأنّه يأدب - أي يجمع - النّاس إلى المحامد‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عند الفقهاء عن المعنى اللّغويّ، فللأدب عند الفقهاء والأصوليّين عدّة إطلاقات‏:‏ أ - قال الكمال بن الهمام‏:‏ الأدب‏:‏ الخصال الحميدة، ولذلك بوّبوا فقالوا‏:‏ «أدب القاضي ‏"‏، وتكلّموا في هذا الباب عمّا ينبغي للقاضي أن يفعله وما ينبغي أن ينتهي عنه‏.‏ وكذلك قالوا‏:‏ «آداب الاستنجاء ‏"‏، ‏"‏ وآداب الصّلاة»‏.‏ وعرّفه بعضهم بقوله‏:‏ الأدب‏:‏ وضع الأشياء موضعها‏.‏

ب - كما يطلق الفقهاء والأصوليّون لفظ «أدب ‏"‏ أيضاً أصالةً على المندوب، ويعبّرون عن ذلك بتعبيرات متعدّدة منها‏:‏ النّفل، والمستحبّ، والتّطوّع، وما فعله خير من تركه، وما يمدح به المكلّف ولا يذمّ على تركه، والمطلوب فعله شرعاً من غير ذمّ على تركه، وكلّها متقاربة‏.‏

ج - وقد يطلق بعض الفقهاء كلمة ‏"‏ آداب ‏"‏ على كلّ ما هو مطلوب سواء أكان مندوباً أم واجباً‏.‏ ولذلك بوّبوا فقالوا‏:‏ «آداب الخلاء والاستنجاء ‏"‏ وأتوا في هذا الباب بما هو مندوب وما هو واجب، وقالوا‏:‏ إنّ المراد بكلمة ‏"‏ آداب ‏"‏ هو كلّ ما هو مطلوب‏.‏

د - ويطلق الفقهاء أحياناً ‏(‏الأدب‏)‏ على الزّجر والتّأديب بمعنى التّعزير‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ تعزير‏)‏‏.‏

حكمه

2 - الأدب في الجملة هو مرتبة من مراتب الحكم التّكليفيّ، وهو غالباً يرادف المندوب، وفاعله يستحقّ الثّواب بفعله، ولا يستحقّ اللّوم على تركه‏.‏

مواطن البحث

3 - لقد نثر الفقهاء الآداب على أبواب الفقه، فذكروا في كلّ باب ما يخصّه من الآداب، ففي الاستنجاء ذكروا آداب الاستنجاء، وفي الطّهارة بأقسامها ذكروا آدابها، وفي القضاء ذكروا آداب القضاء، بل صنّف بعضهم كتباً خاصّةً في الآداب الشّرعيّة، كالآداب الشّرعيّة لابن مفلح، وأدب الدّنيا والدّين للماورديّ، وغيرهما‏.‏

ادّخار

التّعريف

1 - أصل كلمة ‏"‏ ادّخار ‏"‏ في اللّغة هو ‏"‏ اذتخار ‏"‏ فقلب كلّ من الذّال والتّاء دالاً مع الإدغام فتحوّلت الكلمة إلى ‏(‏ادّخار‏)‏‏.‏ ومعنى ادّخر الشّيء‏:‏ خبّأه لوقت الحاجة‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الاكتناز‏:‏

2 - الاكتناز لغةً‏:‏ إحراز المال في وعاء أو دفنه، وشرعاً‏:‏ هو المال الّذي لم تؤدّ زكاته ولو لم يكن مدفوناً‏.‏ فالادّخار أعمّ في اللّغة والشّرع من الاكتناز‏.‏

ب - الاحتكار‏:‏

3 - الاحتكار لغةً‏:‏ حبس الشّيء انتظاراً لغلائه‏.‏ وشرعاً‏:‏ اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء‏.‏ فالادّخار أعمّ من الاحتكار؛ لأنّه يكون فيما يضرّ حبسه وما لا يضرّ‏.‏

ادّخار الدّولة الأموال من غير الضّروريّات

4 - الأموال إمّا أن تكون بيد الدّولة، أو بيد الأفراد‏.‏ فإن كانت بيد الدّولة، وقد فاضت عن مصارف بيت المال، ففي جواز ادّخار الدّولة لها اتّجاهات‏:‏ الاتّجاه الأوّل‏:‏ لا يجوز للدّولة ادّخار شيء من الأموال، بل عليها تفريقها على من يعمّ به صلاح المسلمين، ولا تدّخرها، وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة، وهو قول للحنابلة‏.‏ وقد استدلّوا على ذلك بفعل الخلفاء الرّاشدين وبمبادئ الشّريعة، أمّا فعل الخلفاء الرّاشدين‏:‏ فقد روي ذلك عن عمر وعليّ وصنيعهما ببيت المال، قال عمر بن الخطّاب لعبد اللّه بن أرقم‏:‏ «اقسم بيت مال المسلمين في كلّ شهر مرّةً، اقسم بيت مال المسلمين في كلّ جمعة مرّةً، اقسم بيت مال المسلمين في كلّ يوم مرّةً ‏"‏، ثمّ قال رجل من القوم‏:‏ يا أمير المؤمنين لو أبقيت في بيت المال بقيّةً تعدّها لنائبة أو صوت مستغيث، فقال عمر للرّجل الّذي كلّمه‏:‏ جرى الشّيطان على لسانك، لقّنني اللّه حجّتها ووقاني شرّها، أعدّ لها ما أعدّ لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم طاعة اللّه ورسوله‏.‏ وكان عليّ بن أبي طالب كما كان عمر، فقد ورد أنّ عليّاً رضي الله عنه أعطى العطاء في سنة ثلاث مرّات، ثمّ آتاه مال من أصبهان، فقال‏:‏ اغدوا إلى عطاء رابع، إنّي لست بخازن‏.‏ وأمّا مبادئ الشّريعة، فإنّها تفرض على أغنياء المسلمين القيام برفع النّوائب عند نزولها‏.‏ الاتّجاه الثّاني‏:‏ أنّ على الدّولة ادّخار هذا الفائض عن مصارف بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث، لأنّ ذلك تقتضيه مصلحة المسلمين من سرعة التّصرّف لرفع النّائبات عنهم‏.‏ وإلى هذا ذهب الحنفيّة، وهو قول للحنابلة‏.‏ الاتّجاه الثّالث‏:‏ وهو للمالكيّة، فإنّهم قالوا‏:‏ إذا استوت الحاجة في كلّ البلدان فإنّ الإمام يبدأ بمن جبي فيهم المال حتّى يغنوا غنى سنة، ثمّ ينقل ما فضل لغيرهم ويوقف لنوائب المسلمين، فإن كان غير فقراء البلد أكثر حاجةً فإنّ الإمام يصرف القليل لأهل البلد الّذي جبي فيهم المال ثمّ ينقل الأكثر لغيرهم‏.‏

ادّخار الأفراد

5 - الأموال في يد الأفراد إمّا أن تكون أقلّ من النّصاب أو أكثر، فإن كانت أكثر من النّصاب فإمّا أن تكون قد أدّيت زكاتها أو لم تؤدّ، فإن أدّيت زكاتها فإمّا أن تكون زائدةً عن حاجاته الأصليّة أو غير زائدة عن حاجاته الأصليّة‏.‏

6 - فإن كانت الأموال الّتي بيد الفرد دون‏.‏ النّصاب حلّ ادّخارها؛ لأنّ ما دون النّصاب قليل، والمرء لا يستغني عن ادّخار القليل ولا تقوم حاجاته بغيره‏.‏

7 - وإن كانت أكثر من النّصاب، وصاحبها لا يؤدّي زكاتها، فهو ادّخار حرام، وهو اكتناز بالاتّفاق‏.‏ قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه‏:‏ أيّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض‏.‏ وروي نحوه عن عبد اللّه بن عبّاس وجابر بن عبد اللّه، وأبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً‏.‏ واكتناز المال حرام بنصّ القرآن الكريم حيث قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون‏}‏‏.‏

8 - وإن كانت الأموال المدّخرة أكثر من النّصاب، وصاحبها يؤدّي زكاتها، وهي فائضة عن حاجاته الأصليّة، فقد وقع الخلاف في حكم ادّخارها‏:‏ فذهب جمهور العلماء من الصّحابة وغيرهم إلى جوازه، ومنهم عمر وابنه وابن عبّاس وجابر‏.‏ ويستدلّ لما ذهبوا إليه بآيات المواريث؛ لأنّ اللّه جعل في تركة المتوفّي أنصباء لورثته، وهذا لا يكون إلاّ إذا ترك المتوفّون أموالاً مدّخرةً، كما يستدلّ لهم بحديث سعد بن أبي وقّاص المشهور «إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفّفون النّاس في أيديهم»‏.‏ وهذا نصّ في أنّ ادّخار شيء للورثة بعد أداء الحقوق الماليّة الواجبة من زكاة وغيرها خير من عدم التّرك‏.‏ وذهب أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه إلى أنّ ادّخار المال الزّائد عن حاجة صاحبه - من نفقته ونفقة عياله - هو ادّخار حرام وإن كان يؤدّي زكاته وكان رضي الله عنه يفتي بذلك، ويحثّ النّاس عليه، فنهاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما - وكان أميراً على الشّام - عن ذلك؛ لأنّه خاف أن يضرّه النّاس في هذا، فلم يترك دعوة النّاس إلى ذلك، فشكاه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، فاستقدمه عثمان إلى المدينة المنوّرة، وأنزله الرّبذة، فبقي فيها إلى أن توفّاه اللّه تعالى‏.‏ وكان أبو ذرّ رضي الله عنه يحتجّ لما ذهب إليه بجملة من الأدلّة، منها قوله تعالى في سورة التّوبة‏:‏ ‏{‏والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم‏}‏، ويقول‏:‏ إنّ هذه الآية محكمة غير منسوخة‏.‏ ويحتجّ بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عليّ رضي الله عنه أنّه مات رجل من أهل الصّفّة، وترك دينارين، أو درهمين، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كيّتان، صلّوا على صاحبكم» وبما رواه ابن أبي حاتم عن ثوبان مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلاّ جعل اللّه بكلّ قيراط صفحةً من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه»‏.‏ وعن ثوبان قال‏:‏ «كنّا في سفر ونحن نسير مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال المهاجرون‏:‏ لوددنا أنّا علمنا أيّ المال نتّخذه، إذ نزل في الذّهب والفضّة ما نزل، فقال عمر‏:‏ إن شئتم سألت رسول اللّه عن ذلك، فقالوا‏:‏ أجل، فانطلق، فتبعته أوضع على بعيري، فقال يا رسول اللّه‏:‏ إنّ المهاجرين لمّا أنزل اللّه في الذّهب والفضّة ما أنزل قالوا‏:‏ وددنا أنّا علمنا أيّ المال خير نتّخذه، قال‏:‏ نعم، فيتّخذ أحدكم لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجةً تعين أحدكم على إيمانه»‏.‏

9 - وذهب البعض إلى أنّ ادّخار الأموال يكون حراماً وإن أدّى المدّخر زكاتها إذا لم يؤدّ صاحبها الحقوق العارضة فيها، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير وتجهيز الغازي ونحو ذلك‏.‏ وذهب عليّ بن أبي طالب إلى أنّه لا يحلّ لرجل أن يدّخر أربعة آلاف درهم فما فوق وإن أدّى زكاتها، وكان رضي الله عنه يقول‏:‏ «أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز»‏.‏ وكأنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه رأى أنّ القيام بالحاجات الأصليّة للمرء لا يتطلّب أكثر من أربعة آلاف درهم في أحسن الأحوال، فإن حبس الشّخص مبلغاً أكبر من هذا فقد حبس خيره عن النّاس، وعن الفقراء بشكل خاصّ، وهو أمر لا يجوز، فقد كان رضي الله عنه يقول‏:‏ «إنّ اللّه فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي فقراءهم، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحقّ على اللّه أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذّبهم عليه‏.‏

صفته حكمه التّكليفيّ

10 - يختلف حكم الادّخار باختلاف الباعث عليه‏:‏ فإن كان ادّخار ما يتضرّر النّاس بحبسه طلباً للرّبح، فذلك ممّا يدخل في باب الاحتكار ‏(‏ر‏:‏ احتكار‏)‏‏.‏ وإن كان لتأمين حاجات نفسه وعياله فهو الادّخار‏.‏ واتّفق الفقهاء على جواز الادّخار في الجملة دون تقييد بمدّة عند الجمهور، وهو الأوجه عند الشّافعيّة - ولهم وجه آخر أنّه يكره ادّخار ما فضل عن كفايته لمدّة سنة‏.‏ ودليلهم في ذلك‏:‏ ما رواه البخاريّ في كتاب النّفقات عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثمّ يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللّه، فعمل بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حياته»‏.‏ وبما رواه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النّضير ويحبس؛ لأهله قوت سنتهم»‏.‏ على أنّ الحطّاب نقل عن النّوويّ إجماع العلماء على أنّه إن كان عند إنسان ‏(‏أي ما يحتاجه النّاس‏)‏ أو اضطرّ النّاس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعاً للضّرر عن النّاس‏.‏ وهو ما يتّفق مع قاعدة‏:‏ ‏(‏يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع ضرر عامّ‏)‏‏.‏

ادّخار لحوم الأضاحيّ

11 - يجوز ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث في قول عامّة أهل العلم‏.‏ ولم يجزه عليّ ولا ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث‏.‏ وللجمهور أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم» رواه مسلم - وروت عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنّما نهيتكم للدّافّة الّتي دفّت‏.‏ فكلوا وتزوّدوا وتصدّقوا وادّخروا»‏.‏ وقال أحمد فيه أسانيد صحاح‏.‏ أمّا عليّ وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا سمعوا النّهي فرووا على ما سمعوا‏.‏

ادّخار الدّولة الضّروريّات لوقت الحاجة

12 - إذا توقّعت الدّولة نزول نازلة بالمسلمين من جائحة أو قحط أو حرب أو نحو ذلك وجب عليها أن تدّخر لهم من الأقوات والضّروريّات ما ينهض بمصالحهم، ويخفّف عنهم شدّة هذه النّازلة، واستدلّ لذلك بقصّة يوسف عليه السلام مع ملك مصر‏.‏ وقد قصّ اللّه تعالى علينا ذلك من غير نكير، وليس في شرعنا ما يخالفه، فقال جلّ شأنه‏:‏ ‏{‏يوسف أيّها الصّدّيق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلّي أرجع إلى النّاس لعلّهم يعلمون قال‏:‏ تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلاّ قليلاً ممّا تأكلون ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتم لهنّ إلاّ قليلاً ممّا تحصنون‏}‏‏.‏ قال القرطبيّ في تفسيره لهذه الآيات‏:‏ «وهذا يدلّ على جواز احتكار الطّعام لوقت الحاجة»‏.‏

إخراج المدّخرات وقت الضّرورة

13 - يتّفق الفقهاء على أنّ من ادّخر شيئاً من الأقوات الضّروريّة لنفسه أو لعياله واضطرّ إليه أحد غيره كان عليه بذله له إن لم يكن محتاجاً إليه حالاً؛ لأنّ الضّرر لا يزال بالضّرر‏.‏ ويأثم بإمساكه عنه مع استغنائه، وإن كانوا قد اختلفوا هل يبذله له بالقيمة أو بدونها‏.‏ ومحلّ تفصيل ذلك مصطلح‏:‏ ‏(‏اضطرار‏)‏‏.‏ دليل وجوب الإخراج في هذه الحال من السّنّة ما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له»‏.‏ وعن جابر بن عبد اللّه قال «‏:‏ بعث رسول اللّه بعثاً قبل السّاحل فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح، وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، فخرجنا حتّى إذا كنّا ببعض الطّريق فني الزّاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كلّه، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كلّ يوم قليلاً قليلاً حتّى فني، فلم يكن يصيبنا إلاّ تمرة تمرة، فقلت‏:‏ وما تغني تمرة، فقال‏:‏ لقد وجدنا فقدها حين فنيت» - أخرجه البخاريّ في أوّل كتاب الشّركة‏.‏ قال في عمدة القاريّ‏:‏ قال القرطبيّ‏:‏ جمع أبي عبيدة الأزواد وقسمها بالسّويّة إمّا أن يكون حكماً حكم به لمّا شاهد من الضّرورة، وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد، فظهر أنّه وجب على من معه أن يواسي من ليس له زاد، أو يكون عن رضاً منهم، وقد فعل ذلك غير مرّة سيّدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

ادّخار غير الأقوات

14 - ادّخار غير الأقوات الضّروريّة جائز بالاتّفاق كالأمتعة والأواني ونحو ذلك‏.‏ وعلى الدّولة أن تدّخر من غير الضّروريّة ما قد ينقلب ضروريّاً في وقت من الأوقات كالخيل مثلاً والكراع والسّلاح ونحو ذلك، فإنّه غير ضروريّ في أوقات السّلم، ولكنّه يصبح ضروريّاً أيّام الحرب، وعلى الدّولة بذله للمحتاج حين اضطراره إليه‏.‏

ادّعاء

انظر‏:‏ دعوى‏.‏

ادّهان

التّعريف

1 - الادّهان في اللّغة‏:‏ الاطّلاء بالدّهن، والدّهن ما يدهن به من زيت وغيره‏.‏ والاطّلاء أعمّ من الادّهان؛ لأنّه يكون بالدّهن وغيره، كالاطّلاء بالنّورة‏.‏ ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - الادّهان بالطّيب أو بغيره ممّا لا نجاسة فيه مستحبّ في الجملة بالنّسبة للإنسان، إذ هو من التّجمّل المطلوب لكلّ مسلم، وهو من الزّينة الّتي يشملها قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده‏}‏‏.‏ وقد رويت في الحثّ على الادّهان أحاديث كثيرة، منها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «استاكوا عرضاً وادّهنوا غبّاً» وورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكثر دهن رأسه ولحيته‏.‏ ويستحبّ أن يكون الادّهان غبّاً، وهو أن يدهن، ثمّ يترك حتّى يجفّ الدّهن، ثمّ يدهن ثانياً، وقيل‏:‏ يدهن يوماً ويوماً لا‏.‏ ويتأكّد استحباب الادّهان لصلاة الجمعة، والعيد، ومجامع النّاس‏.‏ وسواء في ذلك الرّجال والصّبيان والعبيد، إلاّ النّساء، فلا يجوز لمن أراد منهنّ حضور الجمعة‏.‏ ويستثنى من الحكم بعض الحالات الّتي يحرم فيها الادّهان أو يكره، كحالات الإحرام بالحجّ أو العمرة والاعتكاف، والصّوم، والإحداد بالنّسبة للمرأة‏.‏

3 - أمّا الادّهان بالنّسبة لغير الإنسان، كدهن الحبل، والعجلة، والسّفينة، والنّعل، وغير ذلك، فهو جائز بما لا نجاسة فيه، أمّا المتنجّس ففيه خلاف على أساس جواز الانتفاع بالمتنجّس أو عدم الانتفاع به‏.‏

مواطن البحث

4 - للادّهان أحكام متعدّدة في كثير من المسائل الفقهيّة مفصّلة أحكامها في أبوابها، ومن ذلك ادّهان المحرم في باب الحجّ، والمعتكف في باب الاعتكاف، والصّائم في باب الصّوم، والمحدّة في باب العدّة‏.‏ كذلك الادّهان بالمتنجّس في باب الطّهارة والنّجاسة‏.‏

إدراك

التّعريف

1 - يطلق الإدراك في اللّغة ويراد به اللّحوق والبلوغ في الحيوان، والثّمر، والرّؤية‏.‏ واسم المصدر منه الدّرك بفتح الرّاء‏.‏ والمدرك بضمّ الميم يكون مصدراً واسم زمان ومكان، تقول‏:‏ أدركته مدركاً، أي إدراكاً، وهذا مدركه، أي موضع إدراكه أو زمانه‏.‏ وقد استعمل الفقهاء الإدراك في هذه المعاني اللّغويّة، ومن ذلك قولهم‏:‏ أدركه الثّمن، أي لزمه، وهو لحوق معنويّ، وأدرك الغلام‏:‏ أي بلغ الحلم، وأدركت الثّمار‏:‏ أي نضجت‏.‏ والدّرك بفتحتين، وسكون الرّاء لغة فيه‏:‏ اسم من أدركت الشّيء، ومنه ضمان الدّرك‏.‏ ويطلق بعض الفقهاء الإدراك ويريد به الجذاذ‏.‏ وقد استعمل الأصوليّون والفقهاء ‏(‏مدارك الشّرع‏)‏ بمعنى مواضع طلب الأحكام، وهي حيث يستدلّ بالنّصوص، كالاجتهاد، فإنّه مدرك من مدارك الشّرع‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

اللاّحق والمسبوق‏:‏

2 - يفرّق بعض الفقهاء بين المدرك للصّلاة مثلاً واللاّحق بها والمسبوق، مع أنّ الإدراك واللّحاق في اللّغة مترادفان‏.‏ فالمدرك للصّلاة من صلاّها كاملةً مع الإمام، أي أدرك جميع ركعاتها معه، سواء أدرك التّحريمة أو أدركه في جزء من ركوع الرّكعة الأولى‏.‏ واللاّحق من فاتته الرّكعات كلّها أو بعضها بعذر بعد اقتدائه‏.‏ أمّا المسبوق فهو من سبقه الإمام بكلّ الرّكعات أو بعضها‏.‏

الحكم الإجماليّ

3 - يختلف الحكم الإجماليّ للإدراك تبعاً للاستعمالات الفقهيّة أو الأصوليّة، فاستعماله الأصوليّ سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن مدارك الشّريعة، وتفصيله في الملحق الأصوليّ‏.‏ أمّا الاستعمال الفقهيّ فيصدق على أمور عدّة‏.‏ فإدراك الفريضة‏:‏ اللّحوق بها وأخذ أجرها كاملاً عند إتمامها على الوجه الأكمل، مع الخلاف بأيّ شيء يكون الإدراك‏.‏ وإدراك فضيلة صلاة الجماعة عند جمهور الفقهاء يكون باشتراك المأموم مع الإمام في جزء من صلاته، ولو آخر القعدة الأخيرة قبل السّلام، فلو كبّر قبل سلام إمامه فقد أدرك فضل الجماعة‏.‏ أمّا المالكيّة فعندهم تدرك الصّلاة ويحصل فضلها بإدراك ركعة كاملة مع الإمام‏.‏

4 - وفي المعاملات نجد في الجملة القاعدة التّالية‏:‏ وهي أنّ من أدرك عين ماله عند آخر فهو أحقّ به من كلّ أحد، إذا ثبت أنّه ملكه بالبيّنة، أو صدّقه من في يده العين‏.‏ ويندرج تحت هذه القاعدة مسألة ‏(‏ضمان الدّرك‏)‏ وهو الرّجوع بالثّمن عند استحقاق المبيع‏.‏ فعند جمهور الفقهاء يصحّ ضمان الدّرك؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحقّ به، ويتبع البيع من باعه»، ولكون الحاجة تدعو إليه‏.‏ مواطن البحث

5 - يبحث الفقهاء مصطلح ‏(‏إدراك‏)‏ في كثير من المواطن‏.‏ فمسألة إدراك الصّلاة بحثت في الصّلاة عند الحديث عن إدراك ركعة في آخر الوقت‏:‏ ‏(‏إدراك الفريضة، صلاة الجمعة، صلاة الجماعة، صلاة الخوف‏)‏، ومسألة إدراك الوقوف بعرفة في الحجّ عند الحديث عن الوقوف بعرفة، ومسألة زكاة الثّمرة إذا أدركت في الزّكاة عند الحديث عن زكاة الثّمار، وضمان الدّرك عند الشّافعيّة في الضّمان، وعند المالكيّة في البيع، وعند الحنفيّة في الكفالة، أمّا الحنابلة ويسمّونه عهدة المبيع - فبحثوه في السّلم، عند الحديث عن أخذ الضّمان على عهدة المبيع، ومسألة إدراك الغلام والجارية في الحجر، عند الحديث عن بلوغ الغلام، ومسألة بيع الثّمر على الشّجر قبل الإدراك وبعده في المساقاة، عند الحديث عن إدراك الثّمر، ومسألة إدراك الصّيد حيّاً في الصّيد والذّبائح‏.‏

إدلاء

التّعريف

1 - في اللّغة‏:‏ أدلى الدّلو أرسلها في البئر ليستقي بها، وأدلى بحجّته أحضرها، وأدلى إليه بماله دفعه، وأدلى إلى الميّت بالبنوّة وصل بها، والإدلاء إرسال الدّلو في البئر، ثمّ استعير في إرسال كلّ شيء مجازاً‏.‏ ولا يخرج استعمال الفقهاء للإدلاء عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

2 - أغلب استعمال الفقهاء للفظ‏:‏ ‏(‏إدلاء‏)‏ في بابي الإرث والحضانة، فيذكرون الإدلاء بالنّسب وهم يقصدون الصّلة الّتي تصل الإنسان بالميّت أو بالمحضون، ويقدّمون من يدلي بنفسه على من يدلي بغيره، ومن يدلي بجهتين على من يدلي بجهة واحدة‏.‏

إدمان

انظر‏:‏ خمر - مخدّر‏.‏

أذًى

التّعريف

1 - الأذى في اللّغة يطلق على الشّيء تكرهه ولا تقرّه، ومنه القذر‏.‏ ويطلق أيضاً على الأثر الّذي يتركه ذلك الشّيء إذا كان أثراً يسيراً، جاء في تاج العروس عن الخطّابيّ‏:‏ الأذى‏:‏ المكروه اليسير‏.‏ والأذى يرد في استعمال الفقهاء بهذين المعنيين أيضاً، فهم يطلقونه على الشّيء المؤذي، وقد ورد في حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق»‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الضّرر‏:‏

2 - الشّرّ عندما يكون يسيراً يسمّيه أهل اللّغة ‏"‏ أذًى ‏"‏، وعندما يكون جسيماً يسمّونه ‏"‏ ضرراً»‏.‏ قال في تاج العروس‏:‏ «الأذى‏:‏ الشّرّ الخفيف، فإن زاد فهو ضرر»‏.‏ أمّا الفقهاء فإنّ استعمالهم العامّ لهاتين الكلمتين ‏(‏أذًى، ضرر‏)‏ يدلّ على أنّهم يعتمدون هذا الفرق ويراعونه في كلامهم، فهم يقولون‏:‏ على الطّائف حول الكعبة ألاّ يؤذي في طوافه أحداً، ويقولون‏:‏ على المسلمين ألاّ يؤذوا أحداً من أهل الهدنة ما داموا في هدنتهم، ونحو ذلك كثير في كتب الفقه‏.‏ بينما هم يقولون‏:‏ لا يجوز لمريض أن يفطر إن كان لا يتضرّر بالصّوم‏.‏ ويقولون‏:‏ ضمان الضّرر، ولا يقولون‏:‏ ضمان الأذى، كما هو معروف في كتاب الضّمان من كتب الفقه‏.‏ فنسبة الأذى للضّرر كنسبة الصّغائر إلى الكبائر‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

أ - الأذى بمعنى الضّرر البسيط‏:‏

3 - الأذى حرام، وتركه واجب بالاتّفاق ما لم يعارض بما هو أشدّ، فعندئذ يرتكب الأذى، عملاً بالقاعدة المتّفق عليها‏:‏ يرتكب أخفّ الضّررين لاتّقاء أشدّهما‏.‏ وقد ذكر الفقهاء ذلك في مواطن كثيرة منها‏:‏ كتاب الحجّ، عند كلامهم على لمس الحجر الأسود، وفي كتاب الرّقّ، عند كلامهم على معاملة الرّقيق، وفي كتاب الحظر والإباحة عند الحنفيّة الكثير من هذا القبيل‏.‏

ب - الأذى بمعنى الشّيء المؤذي‏:‏

4 - يندب إزالة الأشياء المؤذية للمسلمين أينما وجدت، فقد اعتبر الرّسول صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن الطّريق من الإيمان بقوله‏:‏ «الإيمان بضع وسبعون شعبةً أفضلها لا إله إلاّ اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق»‏.‏ «وقال أبو برزة‏:‏ يا رسول اللّه دلّني على عمل يدخلني الجنّة‏.‏ قال‏:‏ اعزل الأذى عن طريق المسلمين»‏.‏ ومن أراد أن يمرّ بنبله في مكان يكثر فيه النّاس فعليه أن يمسك بنصله؛ لئلاّ يؤذي أحداً من المسلمين‏.‏ ومن رأى على أخيه أذًى فعليه أن يميطه عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذًى فليمطه عنه»‏.‏ والمولود يحلق شعره في اليوم السّابع ويماط عنه الأذى‏.‏ ويقتل الحيوان المؤذي ولو وجد في الحرم، كفّاً لأذاه عن النّاس‏.‏

5 - الأشياء المؤذية إذا وجدت في بلاد الحرب فإنّها لا تزال إضعافاً للكفّار المحاربين، فلا يقتل الحيوان المؤذي في بلادهم، كما نصّ على ذلك الفقهاء في كتاب الجهاد‏.‏

أذان

التّعريف

1 - الأذان لغةً‏:‏ الإعلام، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وأذّن في النّاس بالحجّ‏}‏ أي أعلمهم به وشرعاً‏:‏ الإعلام بوقت الصّلاة المفروضة، بألفاظ معلومة مأثورة، على صفة مخصوصة‏.‏ أو الإعلام باقترابه بالنّسبة للفجر فقط عند بعض الفقهاء‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الدّعوة - النّداء‏:‏

2 - كلا اللّفظين يتّفق مع الأذان في المعنى العامّ وهو النّداء والدّعاء وطلب الإقبال‏.‏

ب - الإقامة‏:‏

3 - للإقامة في اللّغة معان عدّة، منها الاستقرار، والإظهار، والنّداء وإقامة القاعد‏.‏ وهي في الشّرع‏:‏ إعلام بالقيام إلى الصّلاة بألفاظ معلومة مأثورة على صفة مخصوصة‏.‏

ج - التّثويب‏:‏

4 - التّثويب في اللّغة‏:‏ الرّجوع، وهو في الأذان‏:‏ العود إلى الإعلام بعد الإعلام، وهو زيادة عبارة‏:‏ ‏(‏الصّلاة خير من النّوم‏)‏ مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الصّبح عند جميع الفقهاء، أو زيادة عبارة ‏(‏حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح‏)‏ بين الأذان والإقامة، كما يقول الحنفيّة‏.‏

صفته ‏(‏حكمه التّكليفيّ‏)‏‏:‏

5 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأذان من خصائص الإسلام وشعائره الظّاهرة، وأنّه لو اتّفق أهل بلد على تركه قوتلوا، ولكنّهم اختلفوا في حكمه، فقيل‏:‏ إنّه فرض كفاية، وهو الصّحيح عند كلّ من الحنابلة في الحضر والمالكيّة على أهل المصر، واستظهره بعض المالكيّة في مساجد الجماعات، وهو رأي للشّافعيّة ورواية عن الإمام أحمد‏.‏ كذلك نقل عن بعض الحنفيّة أنّه واجب على الكفاية، بناءً على اصطلاحهم في الواجب‏.‏ واستدلّ القائلون بذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا حضرت الصّلاة فليؤذّن لكم أحدكم وليؤمّكم أكبركم»، والأمر هنا يقتضي الوجوب على الكفاية؛ ولأنّه من شعائر الإسلام الظّاهرة، فكان فرض كفاية كالجهاد وقيل‏:‏ إنّه سنّة مؤكّدة وهو الرّاجح عند الحنفيّة، والأصحّ عند الشّافعيّة وبه قال بعض المالكيّة للجماعة الّتي تنتظر آخرين ليشاركوهم في الصّلاة، وفي السّفر على الصّحيح عند الحنابلة، ومطلقاً في رواية عن الإمام أحمد، وهي الّتي مشى عليها الخرقيّ‏.‏ واستدلّ القائلون بذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للأعرابيّ المسيء صلاته‏:‏ افعل كذا وكذا ولم يذكر الأذان مع أنّه صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء واستقبال القبلة وأركان الصّلاة‏.‏ وعلى كلا الرّأيين لو أنّ قوماً صلّوا بغير أذان صحّت صلاتهم وأثموا، لمخالفتهم السّنّة وأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل هو فرض كفاية في الجمعة دون غيرها وهو رأي للشّافعيّة والحنابلة؛ لأنّه دعاء للجماعة، والجماعة واجبة في الجمعة، سنّة في غيرها عند الجمهور‏.‏

بدء مشروعيّة الأذان

6 - شرع الأذان بالمدينة في السّنة الأولى من الهجرة على الأصحّ؛ للأحاديث الصّحيحة الواردة في ذلك، ومنها ما رواه مسلم عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال‏:‏ «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصّلاة وليس ينادي بها أحد فتكلّموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم‏:‏ اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النّصارى، وقال بعضهم‏:‏ قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصّلاة، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا بلال قم فناد بالصّلاة»، «ثمّ جاءت رؤيا عبد اللّه بن زيد قال‏:‏ لمّا أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالنّاقوس ليعمل حتّى يضرب به ليجتمع النّاس للصّلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً، فقلت له‏:‏ يا عبد اللّه أتبيع النّاقوس‏؟‏ فقال‏:‏ ما تصنع به‏؟‏ قلت‏:‏ ندعو به للصّلاة، فقال‏:‏ ألا أدلّك على ما هو خير من ذلك‏؟‏، قلت‏:‏ بلى، قال‏:‏ تقول‏:‏ اللّه أكبر اللّه أكبر، فذكر الأذان والإقامة، فلمّا أصبحت أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال‏:‏ إنّها لرؤيا حقّ إن شاء اللّه، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذّن به»‏.‏ وقيل‏:‏ إنّ الأذان شرع في السّنة الثّانية من الهجرة‏.‏ وقيل‏:‏ إنّه شرع بمكّة قبل الهجرة، وهو بعيد لمعارضته الأحاديث الصّحيحة‏.‏ وقد اتّفقت الأمّة الإسلاميّة على مشروعيّة الأذان، والعمل به جار منذ عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بلا خلاف‏.‏

حكمة مشروعيّة الأذان

7 - شرع الأذان للإعلام بدخول وقت الصّلاة، وإعلاء اسم اللّه بالتّكبير، وإظهار شرعه ورفعة رسوله، ونداء النّاس إلى الفلاح والنّجاح‏.‏ فضل الأذان‏:‏

8 - الأذان من خير الأعمال الّتي تقرّب إلى اللّه تعالى، وفيه فضل كثير وأجر عظيم، وقد وردت في فضله أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «لو يعلم النّاس ما في النّداء والصّفّ الأوّل ثمّ لم يجدوا إلاّ أن يستهموا عليه لاستهموا»‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «المؤذّنون أطول النّاس أعناقاً يوم القيامة»‏.‏ وقد فضّله بعض فقهاء الحنابلة والمالكيّة والشّافعيّة على الإمامة للأخبار الّتي وردت فيه قالوا‏:‏ ولم يتولّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه لضيق وقتهم، ولهذا قال عمر بن الخطّاب‏:‏ لولا الخلافة لأذّنت‏.‏

9 - ونظراً لما فيه من فضل ودعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الإقبال عليه فقد ذكر الفقهاء أنّه إذا تشاحّ أكثر من واحد على الأذان قدّم من توافرت فيه شرائط الأذان، فإن تساووا أقرع بينهم، كما ورد في الحديث السّابق‏.‏ وقد تشاحّ النّاس في الأذان يوم القادسيّة فأقرع بينهم سعد‏.‏

ألفاظ الأذان

10 - ألفاظ الأذان الّتي وردت في حديث عبد اللّه بن زيد في رؤياه الّتي قصّها على النّبيّ صلى الله عليه وسلم هي الّتي أخذ بها الحنفيّة والحنابلة وهي‏:‏ اللّه أكبر اللّه أكبر، اللّه أكبر اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه، حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح اللّه أكبر اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه‏.‏ هكذا حكى عبد اللّه بن زيد أذان ‏(‏الملك‏)‏ النّازل من السّماء، ووافقه عمر وجماعة من الصّحابة، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذّن به فإنّه أندى صوتاً منك ‏"‏ وأخذ الشّافعيّة بحديث أبي محذورة، وهو بنفس الألفاظ الّتي وردت في حديث عبد اللّه بن زيد، مع زيادة التّرجيع‏.‏ وذهب المالكيّة وأبو يوسف ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة إلى أنّ التّكبير في أوّل الأذان مرّتان فقط مثل آخره وليس أربعاً؛ لأنّه عمل السّلف بالمدينة، ولرواية أخرى عن عبد اللّه بن زيد فيها التّكبير في أوّل الأذان مرّتين فقط‏.‏

التّرجيع في الأذان

11 - التّرجيع هو أن يخفض المؤذّن صوته بالشّهادتين مع إسماعه الحاضرين، ثمّ يعود فيرفع صوته بهما‏.‏ وهو مكروه تنزيهاً في الرّاجح عند الحنفيّة؛ لأنّ بلالاً لم يكن يرجّع في أذانه، ولأنّه ليس في أذان الملك النّازل من السّماء‏.‏ وهو سنّة عند المالكيّة وفي الصّحيح عند الشّافعيّة؛ لوروده في حديث أبي محذورة، وهي الصّفة الّتي علّمها له النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وعليها السّلف والخلف‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ إنّه مباح ولا يكره الإتيان به لوروده في حديث أبي محذورة‏.‏ وبهذا أيضاً قال بعض الحنفيّة والثّوريّ وإسحاق، وقال القاضي حسين من الشّافعيّة‏:‏ إنّه ركن في الأذان‏.‏

التّثويب

12 - التّثويب هو أن يزيد المؤذّن عبارة ‏(‏الصّلاة خير من النّوم‏)‏ مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الفجر، أو بعد الأذان كما يقول بعض الحنفيّة، وهو سنّة عند جميع الفقهاء، «لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة‏:‏ فإذا كان صلاة الصّبح قلت‏:‏ الصّلاة خير من النّوم، الصّلاة خير من النّوم»، كذلك «لمّا أتى بلال رضي الله عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصّبح فوجده راقداً فقال‏:‏ الصّلاة خير من النّوم مرّتين، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أحسن هذا يا بلال، اجعله في أذانك»‏.‏ وخصّ التّثويب بالصّبح لما يعرض للنّائم من التّكاسل بسبب النّوم‏.‏ وأجاز بعض الحنفيّة وبعض الشّافعيّة التّثويب في الصّبح والعشاء؛ لأنّ العشاء وقت غفلة ونوم كالفجر وأجازه بعض الشّافعيّة في جميع الأوقات؛ لفرط الغفلة على النّاس في زماننا، وهو مكروه في غير الفجر عند المالكيّة والحنابلة، وهو المذهب عند الحنفيّة والشّافعيّة، وذلك لما روي عن بلال أنّه قال‏:‏ «أمرني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أثوّب في الفجر ونهاني أن أثوّب في العشاء»‏.‏ ودخل ابن عمر مسجداً يصلّي فيه فسمع رجلاً يثوّب في أذان الظّهر فخرج، فقيل له‏:‏ أين‏؟‏ فقال‏:‏ أخرجتني البدعة‏.‏ هذا هو التّثويب الوارد في السّنّة‏.‏

13 - وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفيّة بعد عهد الصّحابة تثويباً آخر، وهو زيادة الحيعلتين أي عبارة ‏"‏ حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح ‏"‏ مرّتين بين الأذان والإقامة في الفجر، واستحسنه متقدّمو الحنفيّة في الفجر فقط، وكره عندهم في غيره، والمتأخّرون منهم استحسنوه في الصّلوات كلّها - إلاّ في المغرب لضيق الوقت - وذلك لظهور التّواني في الأمور الدّينيّة وقالوا‏:‏ إنّ التّثويب بين الأذان والإقامة في الصّلوات يكون بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلد، بالتّنحنح، أو الصّلاة، الصّلاة، أو غير ذلك‏.‏ كذلك استحدث أبو يوسف جواز التّثويب؛ لتنبيه كلّ من يشتغل بأمور المسلمين ومصالحهم، كالإمام والقاضي ونحوهما، فيقول المؤذّن بعد الأذان‏:‏ السّلام عليك أيّها الأمير، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، الصّلاة يرحمك اللّه وشارك أبا يوسف في هذا الشّافعيّة وبعض المالكيّة، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان، واستبعده محمّد بن الحسن؛ لأنّ النّاس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكيّة‏.‏

14 - وأمّا ما يقوم به بعض المؤذّنين من التّسبيح والدّعاء والذّكر في آخر اللّيل فقد اعتبره بعض فقهاء المالكيّة بدعةً حسنةً، وقال عنه الحنابلة‏:‏ إنّه من البدع المكروهة، ولا يلزم فعله ولو شرطه الواقف لمخالفته السّنّة‏.‏

الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد الأذان

15 - يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم من المؤذّن بعد الأذان سنّة، وعندهم يسنّ للمؤذّن متابعة قوله سرّاً مثله كالمستمع ليجمع بين أداء الأذان والمتابعة، وروي عن الإمام أحمد أنّه كان إذا أذّن فقال كلمةً من الأذان قال مثلها سرّاً؛ ليكون ما يظهره أذاناً ودعاءً إلى الصّلاة، وما يسرّه ذكراً للّه تعالى فيكون بمنزلة من سمع الأذان‏.‏ بذلك يمكن أن يشمل المؤذّن الأمر الوارد في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاةً صلّى اللّه عليه بها عشراً، ثمّ سلوا اللّه لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا ينبغي أن تكون إلاّ لعبد من عباد اللّه وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلّت عليه الشّفاعة»‏.‏ واعتبره الحنفيّة والمالكيّة بدعةً حسنةً وقد ذكر الشّيخ أحمد البشبيشيّ في رسالته المسمّاة بالتّحفة السّنّيّة في أجوبة الأسئلة المرضيّة أنّ أوّل ما زيدت الصّلاة والسّلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد كلّ أذان على المنارة زمن السّلطان المنصور حاجي بن الأشرف شعبان وذلك في شعبان سنة 791 هـ وكان قد حدث قبل ذلك في أيّام السّلطان يوسف صلاح الدّين بن أيّوب أن يقال قبل أذان الفجر في كلّ ليلة بمصر والشّام‏:‏ السّلام عليك يا رسول اللّه واستمرّ ذلك إلى سنة 777 هـ فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدّين البرلّسيّ أن يقال‏:‏ الصّلاة والسّلام عليك يا رسول اللّه ثمّ جعل ذلك عقب كلّ أذان سنة ‏(‏791‏)‏ هـ‏.‏

النّداء بالصّلاة في المنازل

16 - يجوز للمؤذّن أن يقول عند شدّة المطر أو الرّيح أو البرد‏:‏ ألا صلّوا في رحالكم، ويكون ذلك بعد الأذان، وقد روي أنّ ابن عمر أذّن بالصّلاة في ليلة ذات برد وريح، ثمّ قال‏:‏ ألا صلّوا في الرّحال، ثمّ قال‏:‏ «إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذّن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول‏:‏ ألا صلّوا في الرّحال»، وروي أيضاً أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا ابتلّت النّعال فالصّلاة في الرّحال»‏.‏

شرائط الأذان

يشترط في الأذان للصّلاة ما يأتي‏:‏ دخول وقت الصّلاة‏:‏

17 - دخول وقت الصّلاة المفروضة شرط للأذان، فلا يصحّ الأذان قبل دخول الوقت - إلاّ في الأذان لصلاة الفجر على ما سيأتي - لأنّ الأذان شرع للإعلام بدخول الوقت، فإذا قدّم على الوقت لم يكن له فائدة، وإذا أذّن المؤذّن قبل الوقت أعاد الأذان بعد دخول الوقت، إلاّ إذا صلّى النّاس في الوقت وكان الأذان قبله فلا يعاد‏.‏ وقد روي «أنّ بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي‏:‏ ألا إنّ العبد قد نام، فرجع فنادى‏:‏ ألا إنّ العبد قد نام»‏.‏ والمستحبّ إذا دخل الوقت أن يؤذّن في أوّله، ليعلم النّاس فيأخذوا أهبتهم للصّلاة، وكان بلال لا يؤخّر الأذان عن أوّل الوقت أمّا بالنّسبة للفجر فذهب مالك والشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه يجوز الأذان للفجر قبل الوقت، في النّصف الأخير من اللّيل عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف، وفي السّدس الأخير عند المالكيّة‏.‏ ويسنّ الأذان ثانياً عند دخول الوقت لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ بلالاً يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن ابن أمّ مكتوم»‏.‏ وعند الحنفيّة - غير أبي يوسف - لا يجوز الأذان لصلاة الفجر إلاّ عند دخول الوقت، ولا فرق بينها وبين غيرها من الصّلوات؛ لما روى شدّاد مولى عياض بن عامر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبلال‏:‏ «لا تؤذّن حتّى يستبين لك الفجر»‏.‏

18 - وأمّا الجمعة فمثل باقي الصّلوات لا يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت، وللجمعة أذانان، أوّلهما عند دخول الوقت، وهو الّذي يؤتى به من خارج المسجد - على المئذنة ونحوها - وقد أمر به سيّدنا عثمان رضي الله عنه حين كثر النّاس‏.‏ والثّاني وهو الّذي يؤتى به إذا صعد الإمام على المنبر، ويكون داخل المسجد بين يدي الخطيب، وهذا هو الّذي كان في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر حتّى أحدث عثمان الأذان الثّاني‏.‏ وكلا الأذانين مشروع إلاّ ما روي عن الشّافعيّ من أنّه استحبّ أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر‏.‏ هذا وقد اختلف الفقهاء فيما يتعلّق بأذاني الجمعة من أحكام وأيّهما المعتبر في تحريم البيع ‏(‏ر‏:‏ بيع، وصلاة الجمعة‏)‏‏.‏

النّيّة في الأذان

19 - نيّة الأذان شرط لصحّته عند المالكيّة والحنابلة لحديث‏:‏ «إنّما الأعمال بالنّيّات»، ولذلك لو أخذ شخص في ذكر اللّه بالتّكبير ثمّ بدا له عقب ما كبّر أن يؤذّن فإنّه يبتدئ الأذان من أوّله، ولا يبني على ما قال‏.‏ والنّيّة ليست شرطاً عند الشّافعيّة على الأرجح ولكنّها مندوبة، إلاّ أنّه يشترط عندهم عدم الصّارف فلو قصد تعليم غيره لم يعتدّ به‏.‏ أمّا الحنفيّة فلا تشترط عندهم النّيّة لصحّة الأذان وإن كانت شرطاً للثّواب عليه‏.‏

أداء الأذان باللّغة العربيّة

20 - اشترط الحنفيّة والحنابلة كون الأذان باللّفظ العربيّ على الصّحيح ولا يصحّ الإتيان به بأيّ لغة أخرى ولو علم أنّه أذان‏.‏ أمّا الشّافعيّة فعندهم إن كان يؤذّن لجماعة وفيهم من يحسن العربيّة لم يجز الأذان بغيرها، ويجزئ إن لم يوجد من يحسنها، وإن كان يؤذّن لنفسه فإن كان يحسن العربيّة لا يجزئه الأذان بغيرها وإن كان لا يحسنها أجزأه‏.‏ ولم يظهر للمالكيّة نصّ في هذه المسألة‏.‏

خلوّ الأذان من اللّحن

21 - اللّحن الّذي يغيّر المعنى في الأذان كمدّ همزة اللّه أكبر أو بائه يبطل الأذان، فإن لم يغيّر المعنى فهو مكروه وهذا عند الجمهور، وهو مكروه عند الحنفيّة قال ابن عابدين‏:‏ اللّحن الّذي يغيّر الكلمات لا يحلّ فعله‏.‏

التّرتيب بين كلمات الأذان

22 - يقصد بالتّرتيب أن يأتي المؤذّن بكلمات الأذان على نفس النّظم والتّرتيب الوارد في السّنّة دون تقديم أو تأخير لكلمة أو جملة على الأخرى، ومذهب الجمهور أنّ التّرتيب عندهم واجب فإن فعل المؤذّن ذلك استأنف الأذان من أوّله؛ لأنّ ترك التّرتيب يخلّ بالإعلام المقصود، ولأنّه ذكر يعتدّ به فلا يجوز الإخلال بنظمه، وقيل‏:‏ إنّه يجوز أن يبني على المنتظم منه، فلو قدّم الشّهادة بالرّسالة على الشّهادة بالتّوحيد أعاد الشّهادة بالرّسالة، وإن كان الاستئناف أولى‏.‏ أمّا الحنفيّة فعندهم التّرتيب سنّة، فلو قدّم في الأذان جملةً على الأخرى أعاد ما قدّم فقط ولا يستأنفه من أوّله‏.‏

الموالاة بين ألفاظ الأذان

23 - الموالاة في الأذان هي المتابعة بين ألفاظه بدون فصل بقول أو فعل، ومن الفصل بين ألفاظه ما يحدث دون إرادة كالإغماء أو الرّعاف أو الجنون‏.‏ والفصل بين كلمات الأذان بأيّ شيء كسكوت أو نوم أو كلام أو إغماء أو غيره، إن كان يسيراً فلا يبطل الأذان ويبني على ما مضى، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، أمّا عند الشّافعيّة فيسنّ استئناف الأذان في غير السّكوت والكلام‏.‏ هذا مع اتّفاق الفقهاء على كراهة الكلام اليسير إن كان لغير سبب أو ضرورة‏.‏ أمّا إذا طال الفصل بين كلمات الأذان بكلام كثير، ولو مضطرّاً إليه كإنقاذ أعمى، أو نوم طويل أو إغماء أو جنون فيبطل الأذان ويجب استئنافه، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو طريقة الخراسانيّين من الشّافعيّة، قال الرّافعيّ‏:‏ والأشبه وجوب الاستئناف عند طول الفصل، وقطع العراقيّون من الشّافعيّة بعدم البطلان مع استحباب الاستئناف‏.‏ وألحق الحنابلة بحالات بطلان الأذان ووجوب استئنافه الفصل بالكلام اليسير الفاحش كالشّتم والقذف‏.‏

رفع الصّوت بالأذان

24 - أوجب الشّافعيّة والحنابلة رفع الصّوت بالأذان؛ ليحصل السّماع المقصود للأذان، وهو كذلك رأي للحنفيّة، وهذا إذا كان الغرض إعلام غير الحاضرين بصلاة الجماعة، أمّا من يؤذّن لنفسه أو لحاضر معه فلا يشترط رفع الصّوت به إلاّ بقدر ما يسمع نفسه أو يسمعه الحاضر معه، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدريّ «إنّي أراك تحبّ الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذّنت بالصّلاة فارفع صوتك بالنّداء، فإنّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إنس إلاّ شهد له يوم القيامة» وهو سنّة عند المالكيّة وهو الرّاجح عند الحنفيّة، فإنّ «النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعبد اللّه بن زيد‏:‏ علّمه بلالاً فإنّه أندى وأمدّ صوتاً منك»‏.‏

25 - هذا وقد اتّفق الفقهاء على أنّه لا ينبغي أن يجهد المؤذّن نفسه بما فوق طاقته مبالغةً في رفع صوته بالأذان خشية حدوث بعض الأمراض له‏.‏

26 - ولكي يكون الأذان مسموعاً ومحقّقاً للغرض منه استحبّ الفقهاء أن يكون الأذان من فوق مكان مرتفع يساعد على انتشار الصّوت بحيث يسمعه أكبر عدد ممكن من النّاس كالمئذنة ونحوها‏.‏

سنن الأذان استقبال القبلة

27 - يسنّ استقبال القبلة حال الأذان، وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، وهو الرّاجح عند المالكيّة، ولو ترك الاستقبال يجزئه ويكره، لتركه السّنّة المتواترة؛ لأنّ مؤذّني النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذّنون مستقبلي القبلة، وجاز عند بعض كلّ من المالكيّة والحنابلة الدّوران حال الأذان إذا كان ذلك أسمع لصوته، لأنّ المقصود هو الإعلام، وعند الحنفيّة وبعض المالكيّة إذا لم يتمّ الإعلام بتحويل وجهه عند الحيعلتين فقط مع ثبات قدميه فإنّه يستدير بجسمه في المئذنة‏.‏ وعند الحيعلتين أي قوله ‏(‏حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح‏)‏ يسنّ أن يلتفت المؤذّن فيحوّل وجهه - فقط دون استدارة جسمه - يميناً ويقول‏:‏ حيّ على الصّلاة مرّتين، ثمّ يحوّل وجهه شمالاً وهو يقول‏:‏ حيّ على الفلاح مرّتين، هكذا كان أذان بلال وبهذا قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة‏.‏

التّرسّل أو التّرتيل

28 - التّرسّل هو التّمهّل والتّأنّي، ويكون بسكتة - تسع الإجابة - بين كلّ جملتين من جمل الأذان، على أن يجمع بين كلّ تكبيرتين بصوت ويفرد باقي كلماته؛ للأمر بذلك في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا أذّنت فترسّل»، ولأنّ المقصود من الأذان هو إعلام الغائبين بدخول وقت الصّلاة، والتّرسّل أبلغ في ذلك من الإسراع وقد لخصّ ابن عابدين ما في مسألة حركة راء التّكبيرات فقال ‏"‏ الحاصل أنّ التّكبيرة الثّانية في الأذان ساكنة الرّاء للوقف حقيقةً ورفعها خطأ، وأمّا التّكبيرة الأولى من كلّ تكبيرتين منه وجميع تكبيرات الإقامة فقيل محرّكة الرّاء بالفتحة على نيّة الوقف، وقيل بالضّمّة إعراباً، وقيل ساكنة بلا حركة على ما هو ظاهر كلام الأمداد والزّيلعيّ والبدائع وجماعة من الشّافعيّة، والّذي يظهر الإعراب لما ذكره عن الطّلبة، ولما في الأحاديث المشتهرة للجراحيّ أنّه سئل السّيوطيّ عن هذا الحديث فقال هو غير ثابت كما قال الحافظ ابن حجر، وإنّما هو من قول إبراهيم النّخعيّ، ومعناه كما قال جماعة منهم الرّافعيّ وابن الأثير أنّه لا يمدّ‏.‏ وإطلاق الجزم على حذف الحركة الإعرابيّة لم يكن معهوداً في الصّدر الأوّل، وإنّما هو اصطلاح حادث فلا يصحّ الحمل عليه»‏.‏

صفات المؤذّن ما يشترط فيه من الصّفات

الإسلام

29 - إسلام المؤذّن شرط لصحّته، فلا يصحّ أذان الكافر؛ لأنّه ليس من أهل العبادة؛ ولأنّه لا يعتقد الصّلاة الّتي يعتبر الأذان دعاءً لها، فإتيانه بالأذان ضرب من الاستهزاء، وهذا باتّفاق، ولا يعتدّ بأذانه، وفي حكم إسلامه لو أذّن ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏إسلام‏)‏‏.‏

الذّكورة

30 - من الشّروط الواجبة في المؤذّن أن يكون رجلاً، فلا يصحّ أذان المرأة؛ لأنّ رفع صوتها قد يوقع في الفتنة، وهذا عند الجمهور في الجملة، ولا يعتدّ بأذانها لو أذّنت‏.‏ واعتبر الحنفيّة الذّكورة من السّنن، وكرهوا أذان المرأة، واستحبّ الإمام أبو حنيفة إعادة الأذان لو أذّنت، وفي البدائع‏:‏ لو أذّنت للقوم أجزأ، ولا يعاد، لحصول المقصود، وأجاز بعض الشّافعيّة أذانها لجماعة النّساء دون رفع صوتها‏.‏

العقل

31 - يشترط في المؤذّن أن يكون عاقلاً، فلا يصحّ الأذان من مجنون وسكران لعدم تمييزهما، ويجب إعادة الأذان لو وقع منهما؛ لأنّ كلامهما لغو، وليسا في الحال من أهل العبادة، وهذا عند الجمهور، وكره الحنفيّة أذان غير العاقل، واستحبّ في ظاهر الرّواية إعادة أذانه‏.‏

البلوغ

32 - الصّبيّ غير العاقل ‏(‏أي غير المميّز‏)‏ لا يجوز أذانه باتّفاق؛ لأنّ ما يصدر منه لا يعتدّ به، أمّا الصّبيّ المميّز فيجوز أذانه عند الحنفيّة ‏(‏مع كراهته عند أبي حنيفة‏)‏ والشّافعيّة، وهو إحدى الرّوايتين عند الحنابلة، وهو أيضاً مذهب المالكيّة إذا اعتمد على بالغ عدل في معرفة دخول الوقت‏.‏

ما يستحبّ أن يتّصف به المؤذّن

33 - يستحبّ أن يكون المؤذّن طاهراً من الحدث الأصغر والأكبر؛ لأنّ الأذان ذكر معظّم، فالإتيان به مع الطّهارة أقرب إلى التّعظيم، ولحديث أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ «لا يؤذّن إلاّ متوضّئ»، ويجوز أذان المحدث مع الكراهة بالنّسبة للحدث الأكبر عند جميع الفقهاء، وعند المالكيّة والشّافعيّة بالنّسبة للحدث الأصغر كذلك‏.‏

34 - ويستحبّ أن يكون عدلاً؛ لأنّه أمين على المواقيت، وليؤمّن نظره إلى العورات‏.‏ ويصحّ أذان الفاسق مع الكراهة، وفي وجه عند الحنابلة لا يعتدّ بأذان ظاهر الفسق؛ لأنّه لا يقبل خبره، وفي الوجه الآخر يعتدّ بأذانه؛ لأنّه تصحّ صلاته بالنّاس، فكذا أذانه‏.‏

35 - ويستحبّ أن يكون صيّتاً، أي حسن الصّوت، «لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن زيد‏:‏ فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فإنّه أندى صوتاً منك»؛ ولأنّه أبلغ في الإعلام، هذا مع كراهة التّمطيط والتّطريب‏.‏

36 - ويستحبّ أن يجعل أصبعيه في أذنيه حال الأذان؛ لما روي «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بذلك وقال‏:‏ إنّه أرفع لصوتك»‏.‏

37 - ويستحبّ أن يؤذّن قائماً، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لبلال‏:‏ «قم فأذّن بالصّلاة»، قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كلّ من نحفظ عنه أنّه من السّنّة؛ لأنّه أبلغ في الإسماع‏.‏ ولا يؤذّن قاعداً إلاّ لعذر، أو كان الأذان لنفسه كما يقول الحنفيّة، ويكره أن يؤذّن راكباً إلاّ في سفر، وأجاز أبو يوسف والمالكيّة أذان الرّاكب في الحضر

38 - ويستحبّ أن يكون عالماً بأوقات الصّلاة؛ ليتحرّاها فيؤذّن في أوّلها، حتّى كان البصير أفضل من الضّرير، لأنّ الضّرير لا علم له بدخول الوقت

39 - ويستحبّ أن يكون المؤذّن هو المقيم؛ لما ورد في حديث «زياد بن الحارث الصّدائيّ، حين أذّن فأراد بلال أن يقيم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّ أخا صداء قد أذّن، ومن أذّن فهو يقيم»‏.‏

40 - ويستحبّ أن يؤذّن محتسباً، ولا يأخذ على الأذان أجراً؛ لأنّه استئجار على الطّاعة، وقد ورد في الخبر‏:‏ «من أذّن سبع سنين محتسباً كتبت له براءة من النّار»، وإذا لم يوجد متطوّع رزق الإمام من بيت المال من يقوم به؛ لحاجة المسلمين إليه‏.‏

41 - وبالنّسبة للإجارة على الأذان فقد أجازه متأخّرو الحنفيّة، للحاجة إليه، وأجازه كذلك الإمام مالك وبعض الشّافعيّة، وهو رواية عن الإمام أحمد ‏(‏ر‏:‏ إجارة‏)‏‏.‏

ما يشرع له الأذان من الصّلوات

42 - الأصل أنّ الأذان شرع للصّلوات المفروضة في حال الحضر والسّفر والجماعة والانفراد، أداءً وقضاءً، وهذا باتّفاق، إلاّ ما قاله المالكيّة من أنّه يكره الأذان للفائتة، وما قاله بعضهم من أنّه لا أذان في الحضر للمنفرد، وللجماعة غير المسافرة المجتمعين بموضع ولا يريدون دعاء غيرهم؛ لأنّ الأذان إنّما جعل ليدعى به الغائب، ولا غائب حتّى يدعى‏.‏ ويندب لهم الأذان في السّفر ويتفرّع على هذا الأصل بعض الفروع الّتي اختلف فيها الفقهاء وهي‏:‏ الأذان للفوائت‏:‏

43 - سبق أنّ مذهب المالكيّة كراهة الأذان للفوائت، وأمّا غيرهم فإنّ الفائتة الواحدة يؤذّن لها عند الحنفيّة والحنابلة، وهو المعتمد عند الشّافعيّة؛ لما روى أبو قتادة الأنصاريّ رضي الله عنه وفيه قال‏:‏ «فمال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الطّريق، فوضع رأسه، ثمّ قال‏:‏ احفظوا علينا صلاتنا، فكان أوّل من استيقظ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والشّمس في ظهره‏.‏ قال‏:‏ فقمنا فزعين‏.‏ ثمّ قال‏:‏ اركبوا فركبنا، فسرنا، حتّى إذا ارتفعت الشّمس نزل‏.‏ ثمّ دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء‏.‏ قال فتوضّأ منها وضوءاً دون وضوء‏.‏ قال‏:‏ وبقي فيها شيء من ماء‏.‏ ثمّ قال لأبي قتادة‏:‏ احفظ علينا ميضأتك، فسيكون لها نبأ ثمّ أذّن بلال بالصّلاة، فصلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثمّ صلّى الغداة، فصنع كما كان يصنع كلّ يوم»‏.‏

44 - أمّا إذا تعدّدت الفوائت فعند الحنفيّة‏:‏ الأولى أن يؤذّن ويقيم لكلّ صلاة، وعند الحنابلة وهو المعتمد عند الشّافعيّة يستحبّ أن يؤذّن للأولى فقط ويقيم لما بعدها، وذلك جائز عند الحنفيّة أيضاً‏.‏ وقد اختلفت الرّوايات في قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الصّلوات الّتي فاتته يوم الخندق، ففي بعضها أنّه أمر بلالاً، فأذّن وأقام لكلّ صلاة، وفي بعضها أنّه أذّن وأقام للأولى، ثمّ أقام لكلّ صلاة بعدها، وفي بعضها أنّه اقتصر على الإقامة لكلّ صلاة‏.‏ وبهذه الرّواية الأخيرة أخذ الشّافعيّ على ما جاء في الأمّ، ولكن المعتمد في المذهب خلاف ذلك، وورد عن الشّافعيّ في الإملاء أنّه إن أمل اجتماع النّاس أذّن وأقام، وإن لم يؤمّل أقام؛ لأنّ الأذان يراد لجمع النّاس، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان وجه‏.‏

الأذان للصّلاتين المجموعتين

45 - إذا جمعت صلاتان في وقت إحداهما، كجمع العصر مع الظّهر في وقت الظّهر بعرفة، وكجمع المغرب مع العشاء بمزدلفة، فإنّه يؤذّن للأولى فقط؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «صلّى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين»‏.‏ وهذا عند الحنفيّة والحنابلة، وهو المعتمد عند الشّافعيّة، وهو قول بعض المالكيّة، ولكن الأشهر عندهم أنّه يؤذّن لكلّ صلاة منهما‏.‏

الأذان في مسجد صلّيت فيه الجماعة

46 - لو أقيمت جماعة في مسجد فحضر قوم لم يصلّوا فالصّحيح عند الشّافعيّة أنّه يسنّ لهم الأذان دون رفع الصّوت لخوف اللّبس - سواء أكان المسجد مطروقاً أم غير مطروق، وعند الحنابلة يستوي الأمر، إن أرادوا أذّنوا وأقاموا، وإلاّ صلّوا بغير أذان، وقد روي عن أنس أنّه دخل مسجداً قد صلّوا فيه فأمر رجلاً فأذّن وأقام فصلّى بهم في جماعة‏.‏ ويفصّل الحنفيّة فيقولون‏:‏ إن كان المسجد له أهل معلومون وصلّى فيه غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يعيدوا الأذان والإقامة إذا صلّوا، وإن صلّى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله وللباقين من أهله أن يعيدوا الأذان والإقامة إذا صلّوا، وإن كان المسجد ليس له أهل معلومون بأن كان على الطّريق لا يكره تكرار الأذان والإقامة فيه‏.‏ ويقول المالكيّة‏:‏ من أتى بعد صلاة الجماعة صلّى بغير أذان‏.‏

تعدّد المؤذّنين

47 - يجوز أن يتعدّد المؤذّن في المسجد الواحد، ولا يستحبّ الزّيادة على اثنين؛ لأنّ الّذي حفظ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان له مؤذّنان بلال وابن أمّ مكتوم، إلاّ أن تدعو الحاجة إلى الزّيادة عليهما فيجوز، فقد روي عن عثمان أنّه كان له أربعة مؤذّنين، وإن دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك كان مشروعاً‏.‏ وكيفيّة أذانهم أنّه إذا كان الواحد يسمع النّاس فالمستحبّ أن يؤذّن واحد بعد واحد، لأنّ مؤذّني النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان أحدهما يؤذّن بعد الآخر، وإذا كان الإعلام لا يحصل بواحد أذّنوا بحسب ما يحتاج إليه، إمّا أن يؤذّن كلّ واحد في منارة أو ناحية أو أذّنوا دفعةً واحدةً في موضع واحد، وإن خافوا من تأذين واحد بعد الآخر فوات أوّل الوقت أذّنوا جميعاً دفعةً واحدةً‏.‏

ما يعلن به عن الصّلوات الّتي لم يشرع لها الأذان

48 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأذان إنّما شرع للصّلوات المفروضة، ولا يؤذّن لصلاة غيرها كالجنازة والوتر والعيدين وغير ذلك؛ لأنّ الأذان للإعلام بدخول وقت الصّلاة، والمكتوبات هي المخصّصة بأوقات معيّنة، والنّوافل تابعة للفرائض، فجعل أذان الأصل أذاناً للتّبع تقديراً، أمّا صلاة الجنازة فليست بصلاة على الحقيقة، إذ لا قراءة فيها ولا ركوع ولا سجود‏.‏ وممّا ورد في ذلك ما في مسلم عن جابر بن سمرة قال‏:‏ «صلّيت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم العيد غير مرّة ولا مرّتين بغير أذان ولا إقامة»‏.‏

49 - أمّا كيفيّة النّداء لهذه الصّلوات الّتي لا أذان لها فقد ذكر الشّافعيّة أنّه بالنّسبة للعيدين والكسوف والاستسقاء والتّراويح إذا صلّيت جماعةً - وفي وجه للشّافعيّة بالنّسبة لصلاة الجنازة - فإنّه ينادى لها‏:‏ الصّلاة جامعة، وهو رأي الحنابلة بالنّسبة للعيد والكسوف والاستسقاء، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة بالنّسبة لصلاة الكسوف، وعند بعض المالكيّة بالنّسبة لصلاة العيدين، واستحسن عياض ما استحسنه الشّافعيّ، وهو أن ينادى لكلّ صلاة لا يؤذّن لها‏:‏ الصّلاة جامعة‏.‏ وممّا استدلّ به الفقهاء حديث عائشة قالت‏:‏ «خسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً ينادي الصّلاة جامعة»‏.‏

إجابة المؤذّن والدّعاء بعد الإجابة

50 - يسنّ لمن سمع الأذان متابعته بمثله، وهو أن يقول مثل ما يقول، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول المؤذّن» ويسنّ أن يقول عند الحيعلة‏:‏ لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه‏.‏ فقد روى عمر بن الخطّاب، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا قال المؤذّن‏:‏ اللّه أكبر اللّه أكبر فقال أحدكم‏:‏ اللّه أكبر اللّه أكبر‏.‏ ثمّ قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلاّ اللّه قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلاّ اللّه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه‏.‏ قال‏:‏ أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ حيّ على الصّلاة‏.‏ قال‏:‏ لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ حيّ على الفلاح‏.‏ قال‏:‏ لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ اللّه أكبر اللّه أكبر‏.‏ قال‏:‏ اللّه أكبر اللّه أكبر‏.‏ ثمّ قال‏:‏ لا إله إلاّ اللّه‏.‏ قال‏:‏ لا إله إلاّ اللّه، من قلبه - دخل الجنّة»‏.‏ ولأنّ حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح خطاب فإعادته عبث‏.‏ وفي التّثويب وهو قول‏:‏ «الصّلاة خير من النّوم ‏"‏ في أذان الفجر يقول‏:‏ صدقت وبررت - بكسر الرّاء الأولى - ثمّ يصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ يقول‏:‏ اللّهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الّذي وعدته‏.‏ والأصل في ذلك حديث ابن عمر مرفوعاً‏:‏ «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاةً صلّى اللّه عليه بها عشراً، ثمّ سلوا اللّه لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنّة لا ينبغي أن تكون إلاّ لعبد من عباد اللّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلّت عليه الشّفاعة»، ثمّ يدعو بعد الأذان بما شاء، لحديث أنس مرفوعاً‏:‏ «الدّعاء لا يردّ بين الأذان والإقامة» ‏"‏، ويقول عند أذان المغرب‏:‏ اللّهمّ هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي‏.‏ ولو سمع مؤذّناً ثانياً أو ثالثاً استحبّ له المتابعة أيضاً‏.‏ وما سبق هو باتّفاق إلاّ أنّ المشهور عند المالكيّة أن يحكي السّامع لآخر الشّهادتين فقط، ولا يحكي التّرجيع، ولا يحكي الصّلاة خير من النّوم ولا يبدّلها بصدقت وبررت، ومقابل المشهور أنّه يحكي لآخر الأذان‏.‏

الأذان لغير الصّلاة

51 - شرع الأذان أصلاً للإعلام بالصّلاة إلاّ أنّه قد يسنّ الأذان لغير الصّلاة تبرّكاً واستئناساً أو إزالةً لهمّ طارئ والّذين توسّعوا في ذكر ذلك هم فقهاء الشّافعيّة فقالوا‏:‏ يسنّ الأذان في أذن المولود حين يولد، وفي أذن المهموم فإنّه يزيل الهمّ، وخلف المسافر، ووقت الحريق، وعند مزدحم الجيش، وعند تغوّل الغيلان وعند الضّلال في السّفر، وللمصروع، والغضبان، ومن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وعند إنزال الميّت القبر قياساً على أوّل خروجه إلى الدّنيا‏.‏ وقد رويت في ذلك بعض الأحاديث منها ما روى أبو رافع‏:‏ «رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة»، كذلك روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من ولد له مولود فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضرّه أمّ الصّبيان»‏.‏ وروى أبو هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنّ الشّيطان إذا نودي بالصّلاة أدبر»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وقد ذكر الحنابلة مسألة الأذان في أذن المولود فقط ونقل الحنفيّة ما ذكره الشّافعيّ ولم يستبعدوه، قال ابن عابدين‏:‏ لأنّ ما صحّ فيه الخبر بلا معارض مذهب للمجتهد وإن لم ينصّ عليه، وكره الإمام مالك هذه الأمور واعتبرها بدعةً، إلاّ أنّ بعض المالكيّة نقل ما قاله الشّافعيّة ثمّ قالوا‏:‏ لا بأس بالعمل به‏.‏